أماسي الخريف.. بقلم الأديب/خالد عبد اللطيف

 أماسي الخريف بنسيمها البارد بعد تساقط أمطار هادئة،تتسلل إلى مسام العروق،وتنشط الدورة العصبية بمفعول طبيعي رائع،حباتها المتناثرة هنا وهنا،فتنتشي الذات برائحة التراب الندي،لاشيء يعادل رائحة الارض وجاذبيتها المعطرة بروائح عبقة لايمكن مقاومتها،تلك الرياح المصحوبة بأرق ليلي ،ودون استحياء يفتح الباب على مصراعيه ليجدد العهود القديمة،ويشرح القلب عبر تجاويفه الصغرى والكبرى،ويعلن انتماءه للماضي البعيد والقريب،حركة واحدة من نسمة باردة تخلخل أشياء كثيرة بداخلي،ذلك الجبل المكلل بالثلوج الذي شهد على وقوع احداث كثيرة،الايادي الناعمة البيضاء التي كانت تعد لي كؤوس الشاي والقهوة وتقدمها لي بعناية،وبنظرات من عيون تمتلك الوانا ساحرة لاحدود لها،تشبه شواطئ لازوردية،تستقبلني كل صباح بابتسامة عريضة،نفتح باب الفصل ندخل التلاميذ،تأتيني بالطباشير الملون،نتبادل كلمات الود والاطراء،فوق سور المدرسة كان طائر"الأجاشكو" الملون بالابيض والاسود يراقبنا،يرقص بحركات عجيبة لإثارة الاناث ولفت انظارهن إليه،ذات لقاء خصص لتكريم مدير منتقل،كانت جل الأنشطة تقع على ظهري وعاتقي،وحين وضعت طواجين الغنمي،همست في أذني،لقد خصصت طاجين لحم المعزي من اجلك،هناك تحت شجرة زيزفون لم اعرف كيف نبتت في تربة باردة،كانت تخدمني بفرح كبير،تختار اكبر تفاحة وموزو واجاصة لتقدمها لي،اما الحلوى فقد كانت تصنعها بنفسها خصوصا تلك"لبريوات الساخنة"

ما اكاد انسى ماكان،حتى توقظني رياح الخريف من كل سنة على ماكان،اذكر ذلك المساء البارد الذي تساقط فيه الثلج،ولم يكن من السهل وجود وسيلة نقل الى مقر سكني،قالت لي لاتذهب..ولاداعي للمغامرة،وكان من امري ماكان...

تكللت جدران الدوار وطرقاته بالثلج،التحق بنا ذلك المدير الطيب يحمل شريطا من الدوم مملوء بالسفنج،يختار الملاك اكبر سفنجة ساخنة ويقدمها لي ..يبتسم المدير ويقول"تهلا ..تهلا أسي خالد،

كنت ارتعش كقصبة في مهب الريح،تحمر وجنتاها من الخجل،فتنتحل عذرا متعللة بالبحث عن الحارس من أجل إخراج خشب التدفئة...

مرة وجدنا انفسنا نسير على الاقدام في اتجاه مدرسة"أمالو" ولم نستعد وعينا الا سماع نباح كلاب تعودت ان تقوم بتدريبات على اصواتها،على جنبات تلك الحدائق الجبلية،جمع لنا بعض سكان الدوار اعشابا جبلية تنبت بكثرة في هذه المنطقة من (السالمية ومرددوش والنعناع ...) ...في الدوار الاخر طلبت من أمي عيشة ان تعد لنا طاجين بلحم قنية،لفوا الرفيقة في ازار،وعبر الوادي كانت التلاميذ يرددون اغاني امازيغية فرحين بعدم الالتحاق بالمدرسة بسبب سقوط الثلوج،

في الاستراحة، تتهيأ رفيقتي لاعداد الشاي بسكنها الوظيفي مرفوقا بالحلوى خصوصا (لبريوات وكعب لازال).

تفاصيل كبيرة وصغيرة عمقت احاسيس إنسانية بيننا،في ذلك المرتفع الشاهق الاشبه بمقام الضريح حيث توجد المدرسة،تملأ علينا صاحبة الوزرة البيضاء وحدتنا وغربتنا بضحكتها وابتسامتها،ورقي ذوقها في الطبخ ،واعداد المملحات والمكسرات والكيكا والبتزا والمسمن خصوصا المحشو بالشحم...

قط صغير اسود اللون،طلب ضيافتنا رفقة كلب اخر،كانا هزيلين،اطعمناهما من سردين المطعم ذي الرائحة القوية،كانت تداعبهما وتمسد على فروهما الناعمين،انتعڜا وكبرا،وعادت اليهما الحياة..

عشنا أياما جميلة رائعة ...رفقة أساتذة رائعين...حين قدر علينا الفراق بسبب الانتقال،قالت لي اريد منك ذكرى،قلت لها :لك ماتشائين،قالت لي امنحني وزرتك،لبستها في الحال معانقة كل جزء فيها،مرة اعوام وحين سألت عنها قيل لي"لقد رحلت الى المانيا...

خالد عبداللطيف..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

طال الليل أفكر فيك ....بقلم الشاعر محمود دبشه

غربة.. بقلم الشاعرة/وفاء غباشي

ثمل بالحب.. الشاعر/أحمد تجاني أديبايو

حان وقت سفري....بقلم الشاعر محمود دبشة

ياريحانة القلب....بقلم الشاعر نورالدين محمد نورالدين

على وطني....بقلم الشاعر محمد سعيد نصر الشرعبي

قالت تعاتبني.. بقلم الشاعر/محمد الشرعبي

بننسى اننا كنا اخوات...؟...بقلم الشاعر خيري حسن

ياولدي...بقلم الشاعر معز ماني

فارس الظلال...بقلم الشاعر محمد سليمان أبو سند