بين الغاية والوسيلة....بقلم الأستاذ حشاني زغيدي


 بين الغاية والوسيلة


دَرْسٌ بَلِيغٌ نَتَعَلَّمُهُ مِنْ مَدْرَسَةِ النُّبُوَّةِ تَحْدِيدًا مِنْ قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ و مِنْ الْمُعَلِّمِ النَّبِيِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يُوَجِّهُ أَبْنَاءَهُ لِلْبَحْثِ عَنْ الِابْنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى لِسَانِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :

( وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنَّ الْحُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) )


كَأَنِّي بَنِي اللَّهِ يَعْقُوبَ يُوَجِّهُ أَبْنَاءَهُ لِحَقِيقَةٍ نَحْسَبُهَا قَدْ غَابَتْ عَنْ أَذْهَانِنَا إنَّ اخْتِلَافَ الْوَسَائِلِ مَعَ وَحْدَةِ الْغَايَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَضُرُّ ، فَمَا يَجِبُ أَنْ يَشْغَلَ الْأَبْنَاءَ هُوَ الْوُصُولُ لِمَقْصِدِهِمْ الْمُحَدَّدِ وَ الْمُوَكَّلُونَ بِهِ لِلْوُصُولِ إِلَى الْغَايَةِ الْمُحَدَّدَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ [ " يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ  إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ . "


وَهِيَ رِسَالَةٌ بَلِيغَةٌ وَ دَرْسٌ مُهِمٌّ يَسْتَفِيدُ الْمُسْلِمُ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ ، كَمَا هُوَ دَرْسٌ بَلِيغٌ لِلْعَامِلِينَ فِي كُلِّ مَجَالَاتِ النَّفْعِ الْعَامِّ فِي الْحَيَاةِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُؤَسَّسَاتٍ تَرْبَوِيَّةً تَعْلِيمِيَّةً أَوْ مُؤَسَّسَاتٍ إِقْتِصَادِيَّةً أَوْ مُؤَسَّسَاتِ خِدْمَاتٍ نَفْعِيَّةٍ ، وَاجِبُهُمْ أَلَّا يَشْغَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ صُرُوفِ الْأَهْدَافِ الْكَبِيرَةِ وَ مَهَامِّهَا بِالِاشْتِغَالِ بِالْهَوَامِشِ وَ الْفُرُوعِ الثَّانَوِيَّةِ عَنْ هَدَفِهِمْ الْأَصِيلِ .


كَمَا هُوَ دَرْسٌ مُهِمٌّ لِسَاسَتِنَا الَّذِينَ تَفَرَّقَ شَمْلُهُمْ وَ ضَعُفَ رِيحُهُمْ ، حِينَ انْصَبَّ هَمُّهُمْ فِي حُرُوبِ التَّمَوْقُعِ ، اشْتَغَلُوا بِالْفُتَاتِ الزَّهِيدِ بِذَلِّ صَبِّ الْجُهُودِ فِي خِدْمَةِ أَوْطَانِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ ، بِسَبَبِ انْشِغَالِهِمْ عَنْ أَصْلِ الْغَايَاتِ وَ الْأَهْدَافِ الْكَبِيرَةِ ، فَضَاعَتْ الْمَكَاسِبُ الْكَبِيرَةُ ، وَ اسْتَمْتَعَ الْقِلَّةُ بِالْفُتَاتِ الزَّهِيدِ .

يَحْصُلُ ذَلِكَ حِينَ تَغِيبُ الْبُوصْلَةُ عَنْ اتِّجَاهِهَا الصَّحِيحِ ، فَتُصْرَفُ الْمُهِمَّاتِ  لِغَيْرِ قَصْدِهَا .


وَ خُلَاصَةُ الْقَوْلِ عَلَى الْفَرْدِ أَنْ تَشْغَلَهُ الْأَهْدَافُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا نَصْنَعُ الْحَيَاةَ السَّعِيدَةَ لِلْفَرْدِ وَ الْجَمَاعَةِ وَ الْمُؤَسَّسَةِ وَ هُوَ بَيْتُ الْقَصِيدِ ، أَمَّا الإبْدَاعٌ فِي اسْتِغْلَالِ الْوَسَائِلِ وَ تَنَوُّعِهَا وَ اخْتِيَارِ أَفْضَلِهَا لِإِنْجَاحِ الْأَعْمَالِ وَ الْخُطَطِ وَ الْبَرَامِجِ أَمْرٌ مُهِمٌّ ، نَخْتَارُ مِنْ الْوَسَائِلِ أَنْفَعَهَا وَ أَبْقَاهَا فِي النَّفْعِ ، وَ نَتْرُكُ الْوَسَائِلَ الَّتِي تَجَاوَزَهَا الزَّمَنُ مِنْ الْقِدَمِ وَ انْتِهَاءِ الصَّلَاحِيَةِ .


 الأستاذ حشاني زغيدي .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بنت غزة....بقلم الشاعر جيلاني أنور

بشروا ولا تنفروا....بقلم الامام والخطيب الدكتور عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات

دقات القلب...بقلم الشاعر كاظم الهلالي

في ناس.. بقلم الشاعر/عبدالله رجب أبو عدنان

أيا كفيف القلب.....بقلم الشاعرة سحر حسين

قذفتني أمواج الشوق.. بقلم الشاعر/أديب حاج حمود

حوار عن قرب.. بقلم الشاعر/د. حسن المداني

يأم العيون.. بقلم الشاعر/إبراهيم شبل

يامن هام الفؤاد في هواك.. بقلم الشاعر/الأمير خالد

عنزة القطيع...بقلم الكاتب والاديب عبد الحفيظ بوساحة