خطبة الجمعة ((الف النعمة))للامام الشيخ عاصم العوادلي صياغة الناقد والباحث حسين نصرالدين علي إبراهيم
خُطبة الجُمعة المُوافق الثَاني منْ يناير 2026 بمسجدِ(آدم عليه السلام) اعتلى المنبرَالشيخُ الشابُ/عاصم العوادلي،بارك الله فيه،وعنوان الخُطبة(إِلْفُ النِعمةِ)النصُوصُ من مصَادِرِها الطبيعية القُرآن الكريم والسُنة النبوية المُكرمة،والصياغة بقلم : حُسَيْن نصرالدين :
مُقدمةٌ:استهل َالشيخُ الكريمُ خطبته بالحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيد المُرسلين ﷺ،وبعد:
(إِلْفُ النِعْمَةِ) آفةُ إلفِ النعم :
مُقدمة ٌ: والهدفُ من موضُوع ِالخُطبة عن الألفة بالنعمةِ،وعدم شكرها،بلْ والكفروالجحود بها وآفةُ ذلكَ:
إلفُ النِعْمةِ(أوالأُلفةُ بالنِعْمةِ)هوحالة نفسية ودينية يقعُ فيها الإنسانُ عندمَا يعتادُعلى نعمةٍ دائمةٍ(كالصحة، الإيمان،المال)فيفقدُ الإحساسَ بقيمتِها،ويتعاملُ معهَا كأنَّها حقٌ مُكتسبٌ لا فضل من الله،ممَّا يُؤدِي إلى غفلتِه عنْ شُكْرِالمُنعمِ،والتقصيرفي حق الله،وقدْ يتطوَّرُإلى الضجروالتذمرمنها بدلاً من الحمد والرضا . هو مرضٌ خفِي ينسي الإنسان قيم النعم ويكتمُ شُكرها،وهوعكس المطلوب من العبد الشاكرالذي يستشعرُ نعمَ الله عليْه في كلِّ لحظةٍ.
فمن أخطرِالابتلاءات أنْ يُصابَ الإنسانُ بداءِإلفِ النعَمِ،فيألفُ ما أنعم الله به عليه،ثم يتبرمُ ويتضَجَّرُمنها، بلْ ويسعَى،لخبث نفسه وسوء فطرته،إلى التحول إلى حال أسوأ!وهذا واقع نراه،والأدهى،من يألف نعمة الإيمان والإسلام والقرآن،فيرَى الدِّينَ أمرًا مُعتادًا لا منة فيه !.
مَظاهرُوأخطارُ إلف النعمة :
النسيانُ والغفلةُعنْ شُكْرِالنِعَمِ : التعودُعلى النعمة .
التبرم والضجر بدلاً من أن يشعرَبالامتنان،والحمد والرضَا : قد يتذمر الإنسان من النعمة أو يراها أمراً عادياً،وكأنَّها حقٌ مُكتسبٌ له .
التقصيرُفي أداءِ حق الله: يقلُ شكرُالعبد وتذكره لله،مما يجعله يبارزُالله بنعمه (بالجاه،المال،القوة) بدلاً من استخدامها في طاعتِه .
الحزن عند زوالها فقط: فلا يتذكرُقيمتها إلَا عند فقدانِها .
ولتجنبِ ذلك : بالتذكرالدائم : تذكّرأنَّ كل نعمة هي من فضل الله وحده (أفرأيتُمْ ما تَحْرُثُون(63) أأنْتُمْ تزرَعُونَه أمْ نحنُ الزَارِعُون(64)) من سورة الواقعةِ .
الشكرُالمُستمرُ: التحدث بنعمة الله شكر،وتركها كفر،ومن لا يشكرُالقليل لا يشكرُالكثير.
استشعار النعم الصغيرة: حمداً لله على كل لحظة،على الماء،الشمس،السمع،البصر،وكل شيءٍ .
الاستماع للقرآن والذكر : تدبرُآيات القرآن الكريم (مثل سورة قريش "لإيلاف قريش") لنتذكرَكيف أنعم الله علينا فكفرنابنعمته(أي ألِفْنَاهَا)وقال أهلُ اللغة أنَّ اللام في لإيلافِ،هي للتعجبِ،مُتعلقة بفعلٍ محْذُوفٍ تقديرُه اعجبُوا،أي اعجبُوا لرحلتيْهم(رحلتيِ الشتاءِ والصيفِ) .
قالَ تعالَى:﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَلَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ لقمان20،تحبُّبَاً،وابتلاءً لشكرِهم وصبرِهم،هذا،وإنَّ أُلفةَ النِّعمِ مِن أشدِّ المخاطرِالتي كثيراً ما تُكدِّرُصفاءَها وتَحرِمُ بركتَها،وتُهدِّدُ بقاءَها،وذلك حين يَعتادُها المرءُ،ويَكثرُإمساسُه لها،حتى غدا لايَشعرُبها إلَاإنْ فَقَدَها!
إنِّ أُلفةَ النِّعمِ مَزْلَقٌ جِدُّ خطيرٍ؛كثيراً ما يُفضي إلى قبائحَ تَهوي بالشقيِّ في قَعْرٍسحيقٍ من دركاتِ غضبِ اللهِ وعقابِه،ومن شؤمِ القبائحِ التي تُفْرِزُها تلكمُ الألفةُ نسيانُ النِّعمِ والغفلةُ عنها،وعدمُ خَطَرِذِكرِها على القلبِ،وانحباسُ اللسانِ عن التحدثِ بها؛فضلاً عن شكرِها .
وفي حديث الرسول ﷺ عن الأعمى والأقرع والأبرص هوقصة ابتلاء من الله لبني إسرائيل،رواها مُسلمٌ والبخاري،وفيه:ابتلى الله ثلاثة رجال (أعمى وأقرع وأبرص) بملك أرسلهم في هيئة بشر،فكذب الأبرص والأقرع (بدعوى أنهما ورثا المال كابرًا عن كابر)،بينما شكرالأعمى نعمة الله ورد البصرفردّ الملك ماله ورضي عنه،بينما سخط الله على الاثنين الأوليْن بسبب جحًودِهما،فهوابتلاءٌ أرادَالله به اختبارصبرَوشُكرَهؤلاء الرجال الثلاثةِ ،فقد طلبَ الكلكُ من الأعمى أنْ يعطيَه شاةً ليتبلغَ منها،فقال:(قد كنتُ أعمى فردَّ اللهُ بَصَرِي،وفقيرًا فقد أغناني،فخُذْ ما شِئْتَ،فوالله لاأجهدُكَ اليومَ شيئًا أخذتَهُ للهِ عزَّ وجلّ) وكانتْ النتيجةُ أنْ دعا الملك على الأبرص والأقرع (إنْ كذبَا فصيَّرَك الله كما كنت)،فصارَا كما كانا، بينما قال للأعمى:(أمسِكْ مالَكَ،فإنَّما ابتليتم،فقد رضي اللهُ عنكَ وسَخِطَ على صاحِبَيْكَ) .
والدرُوسُ المُستفادة ُمن هذا الحديثِ ومن موضُوع الخُطبة بإيجازٍهو:
أهمية شكرنعمة الله،وعواقب الجحود وعدم الاعتراف بفضل الله،وأنَّ المال قدْ يكونُ فتنةً،وأنَّ شكرَه نجاة
وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ يَشْكُو ضِيقَ حَالِهِ،فَقَالَ لَهُ يُونُسُ:أَيَسُرُّكَ بِبَصَرِكَ هَذَا الَّذِي تُبْصِرُ بِهِ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ:الرَّجُلُ لَا،قَالَ:فَبِيَدَيْكَ مِائَةُ أَلْفٍ؟ قَالَ الرَّجُلُ:لَا،قَالَ:فَبِرِجْلَيْكَ؟ قَالَ الرَّجُلَ:لَا،فَذَكَّرَهُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ،وَقَالَ يُونُسُ:أَرَى عِنْدَكَ مِئِينَ أُلُوفٍ وَأَنْتَ تَشْكُوالْحَاجَةَ!وما تزال تلك الغفلةُ تَستحْكِمُ على القلبِ حتى تُشْعِرَه بشعورِالاستحقاقِ والجَدارةِ والاعتدادِ بالنفسِ إذْ كانتْ أهلاً لتنزُّلِ النِّعمِ وحيازتِها وبقائها،كما فاهَ به مَنطِقُ قارونَ الكفورُإذ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ القصص78 .
والزهدُ في النعمةِ واستقلالُها من شؤمِ أُلفَتِها؛فلا تَمتدُّ العينُ حين يُعْميها حِجَابُ الألفةِ عن تبصُّرِ قدْرِ النعيمِ الموْجُودِ إلّا إلى استقلالِه واحتقارِه والتطلُّعِ إلى ما في يدِ الغَيرِ وتَطلُّبِ المفْقُودِ .
والمللُ والتشكِّي مِن أُلفةِ الحالِ داءٌ خطيرٌسَلَبَ به اللهُ نعمتَه من أممٍ حينَ رَتَعَتْ في ذلك المَرتِعِ الوخيمِ، كما حكى اللهُ عن سَبَأٍ حين شَكَوْا امتدادَ رُقعةِ نعيمِهمُ الذي كانوا به لا يَتزوَّدُون في سفرِهم من اليمنِ إلى الشامِ لوفرةِ النِّعمِ بالقُرى الظاهرةِ التي لا تنقطعُ؛فطلبوا أنْ يُباعِدَ اللهُ هذه القرى عن بعضِها؛بطراً وكفراً، فقال:﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ* وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ* فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ سبأ 15 – 19.
وكما وقعَ لبني إسرائيلَ حين طَلبوا تبدُّلَ طعامِ المَنِّ والسلوى الشهيِّ الذي يتنزَّلُ عليهم دون كُلْفةٍ بالطعامِ الأدنى،كما قال اللهُ تعالى:﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَعَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَأَدْنَى بِالَّذِي هُوَخَيْرٌاهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِالْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ البقرة 61.
قال ابنُ القيِّمِ:(وليسَ على العبدِ أضرُّمِن مَلَلِه لِنعمِ اللهِ؛فإنّه لايراها نعمةً،ولايشكرُه عليها،ولايفرحُ بها،بلْ يَسخَطُها،ويشكوها،ويَعُدُّها مُصيبةً،هذا وهيَ من أعظمِ نعمِ اللهِ عليه،فأكثرُالناسِ أعداءُ نِعَمِ اللهِ عليهم،ولا يَشعُرون بفتحِ اللهِ عليهم نِعمَه،وهم مُجتهدُون في دفعِها وردِّها جهلًا وظلمًا؛فكم سَعَتْ إلى أحدِهم مِن نعمةٍ وهو ساعٍ في ردِّها بجَهدِه!وكمْ وصلتْ إليه وهو ساعٍ في دفعِها وزوالِها بظلمِه وجهلِه!) .
ومن أخطرِما تُفْرِزُه ألفةُ النِّعمِ الأمانُ من زوالِها،والاسترواحُ لدوامِها؛فيَلِجُّ المرءُ في طغيانِه،ولا يَرعَوِي عن غيِّه،وذاك داءُ أهلِ التَّرفِ؛وهومن أعظمِ أسبابِ زوالِ النِّعمِ وتحوُّلِ العافيةِ وفُجاءةِ النِّقمِ،كما حذَّرَاللهُ قريشاً كفرانَ نعمتِه عليهم بإيلافِهم واعتيادِهم دَرَّ الأرزاقِ برحلةِ الشتاءِ والصيفِ وأمْنِهم بوجودِ بيتِه العتيقِ،وكان مِن دائبِ دعائِه ﷺ :(اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك من زوالِ نِعمتك،وتحوُّلِ عافيتك،وفُجاءةِ نِقمتك، وجميعِ سخطِك) رواه مُسلمٌ .
اللهمّ احفَظْ أبناءَنا منْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ،والله أسأل ُأن ْيَقِيَ أمتنا ومصرنا الفتن،ما ظهرَمنها وما بطنَ، وأنْ يرُدَنا إلى دينه مَردًّا جميلًا،وانصرْ إخواننا المُستضعفين في غزةَ العِزَّةَ والسُودانِ،نصراً مؤزراً، اللهم عليك باليَ*هُو*دِ وبنِي صُ*هْيُ*ون،فإنَّهم لا يُعجزونك،اللهم آمين .
أحسن الشيْخُ وأجادَ،وإلى جمعة ٍ قادمةٍ إنْ شاءَ اللهُ إنْ كان في العمرِ بقية ً.

تعليقات
إرسال تعليق