الاعتذار....بقلم الكاتب سالم حسن غنيم
الاعتذار
اسمي آدم.
استيقظتُ ذلك الصباح وأنا مثقل الرأس، لم أنم سوى أربع ساعات. كنت متكدّر المزاج، كأن شيئًا في داخلي يضيق بلا سبب.
نادَتني أمي من المطبخ:
– قوم يا آدم، روح جيب فطور.
خرجت متأففًا. وبعد «الحفلة» الصغيرة التي صنعتها في الدكان، عدت كعادتي دون أن أرجع باقي النقود. لم أكل على مهل، فتحت هاتفي، وانشغلت بالضحك مع الأصدقاء وكأن العالم لا يطلب مني شيئًا.
دخلت أختي الغرفة وقالت بهدوء:
– آدم، ممكن تجيبلي دفتر محاضرات؟ دفتري ضاع.
انفجرت. سببتُ وضربتُ كفي بكفي، ورفضت أن أساعدها. شعرتُ أن الجميع يتآمر عليّ.
بعد دقائق، رنّ الهاتف. كان أبي.
– تعال يا ابني، السيارة تعطلت، والبرد قارس. بدي أروح أجيب قطعة للسيارة،
لا تتأخر… أنا بردان.
أغلقت الهاتف وأنا ألعن اليوم وألعن نفسي:
ليش أنا الابن الوحيد؟
ليش أنا الخدام؟
شربت نسكافيه،
سمعت أغاني، لبست على مهلي،
وتركت أبي ينتظر ساعة كاملة.
حين وصلت، كان وجهه شاحبًا من البرد. قال لي بهدوء موجع:
– ليش تأخرت؟
كذبت:
– ما كان في مواصلات.
طلب مني أن أجلس معه في السيارة حتى يجلب القطعة. أصلحنا العطل وعدنا إلى البيت.
وجدت أمي قد طبخت مجدّرة.
لم أحبها يومًا.
صرخت، سببت، أفرغت غضبي فيهم جميعًا.
قال أبي لأمي بصوت خافت ظننته لم يصلني:
– استحمليه… اليوم تعب معي.
اقتربت أمي مني وربتت على كتفي:
– آسفة يما… نسيت إنك ما بتحبها. أعملك بيض؟ أو أسخنلك دوالي من مبارح؟
رفضت بعناد طفل. دخلت غرفتي، أغلقت الباب، وبقيت غاضبًا حتى غلبني النوم.
استيقظت الساعة الحادية عشرة ليلًا.
البيت فارغ.
اتصلت بهم، قالوا: نحن بالطريق.
وصلتني رسالة من أختي على الواتساب:
والله ما في حد قدك… رايحين نجيبلك كيك وهدايا علشان عيد ميلادك. بدنا نعملك مفاجأة، اعمل حالك ما بتعرف.
تجمّدت.
اليوم عيد ميلادي… وأنا ناسي.
هم تذكّروا.
وأصدقائي؟
لماذا لم يعايدني أحد؟
انتظرت. طال الانتظار.
اتصلت… كل الهواتف مغلقة.
رنّ هاتفي.
الرقم: 911.
– بتعرف صاحب الرقم 078******؟*
– نعم… هذا أبي.
ساد صمت ثقيل، ثم جاءت الكلمات كرصاص:
– البقية بحياتك…
والدك ووالدتك وأختك توفّوا بحادث سير.
سقط الهاتف من يدي.
صرخت كالمجنون:
لا… وعدوني ييجوا…
قالوا كيك…
قالوا مفاجأة!
ركضت في الغرفة أكلّم الفراغ:
يمّا والله المجدّرة زاكية…
بآكل أي شي تطبخيه!
أختي والله بمزح…
بشتريلك ألف دفتر!
يابا خليك بالسيارة،
بجيب ميكانيكي، على حسابي…
بس تعالوا !
لكن لم يأتِ أحد.
عاملوا أهلكم بلطف.
اضحكوا معهم.
تسامحوا على التفاصيل الصغيرة.
فبعض الاعتذارات…
إذا تأخرت…
لا تصل أبدًا.
إياكم أن تصلوا إلى مرحلة
حين لا ينفع الندم.
سالم حسن غنيم

تعليقات
إرسال تعليق