كيف يجد الكاتب صوته المسرحي(اللقاء 26)....بقلم الكاتب سالم حسن غنيم


 مدرسة الحكواتي الأدبية

اللقاء السادس والعشرون


كيف يجد الكاتب صوته المسرحي؟


بعد أن تعرفنا في اللقاء السابق إلى أشكال المسرح المختلفة، من المسرح الاجتماعي والتاريخي والكوميدي والتراجيدي، إلى المسرح الرمزي والشعري والعبثي والمونودراما والمسرح السياسي، نصل إلى سؤال أكثر خصوصية:


كيف يصبح للكاتب المسرحي صوته الخاص؟


فالمشكلة ليست أن نعرف كيف نكتب مسرحية فقط.


المشكلة الأصعب أن نكتب مسرحية يشعر القارئ أو المشاهد، منذ صفحاتها الأولى أو مشاهدها الأولى، أنها تنتمي إلى كاتب معين.


وهذا هو ما نسميه:


الصوت المسرحي.


الصوت المسرحي ليس الكلمات الصعبة، ولا اللغة المزخرفة، ولا كثرة الحكم والأمثال.


الصوت المسرحي هو الطريقة التي يرى بها الكاتب الإنسان والحياة والصراع، ثم يحول هذه الرؤية إلى شخصيات وحوار ومواقف ومشاهد.


قد يكتب كاتبان المسرحية نفسها عن الفكرة نفسها، ولكن كل واحد منهما يكتبها بطريقة مختلفة.


وهنا تبدأ شخصية الكاتب في الظهور.


أولًا: الصوت يبدأ من رؤية الكاتب


كل كاتب يرى العالم بطريقة مختلفة.


هناك كاتب يهتم بالإنسان داخل الأسرة.


وآخر يهتم بالصراع بين الفرد والمجتمع.


وثالث يبحث عن السلطة والحرية.


ورابع ينشغل بالذاكرة والماضي.


وخامس يرى الإنسان من خلال أسئلته الوجودية.


هذه الرؤية لا يحتاج الكاتب إلى إعلانها في كل صفحة.


بل تظهر من خلال الأحداث والشخصيات.


فالكاتب المسرحي لا يقول للمشاهد دائمًا:


"أنا أؤمن بأن الإنسان..."


بل يجعل شخصية من شخصياته تعيش هذا السؤال أمامنا.


وهنا يتحول الفكر إلى مسرح.


ثانيًا: الصوت يظهر في الشخصيات


قد تكون الشخصيات كثيرة، ولكن لكل شخصية طريقة في الكلام والتصرف.


الشخصية الخائفة لا تتحدث مثل الشخصية الواثقة.


والرجل الكبير في السن لا يتحدث بالضرورة مثل الشاب.


والعامل لا يتحدث بالطريقة نفسها التي يتحدث بها أستاذ الجامعة.


والشخصية الصامتة قد تكشف عن نفسها بالصمت أكثر مما تكشف عنها الكلمات.


لكن هناك خطأ يقع فيه بعض الكتاب:


أن يجعلوا جميع الشخصيات تتحدث بلغة الكاتب نفسه.


فتصبح الشخصيات مختلفة في الأسماء فقط، بينما أصواتها واحدة.


وهذا يضعف المسرحية.


الكاتب الحقيقي يجعل الشخصية تتكلم من داخل عالمها هي، لا من داخل عالم الكاتب فقط.


ثالثًا: الصوت يظهر في الحوار


الحوار هو أحد أهم الأماكن التي يظهر فيها صوت الكاتب.


خذ مثلًا مسرحيات شكسبير.


ستجد أن اللغة تحمل طاقة شعرية وفكرية واضحة.


وعند قراءة مسرحيات تشيخوف، نجد أن الحوار يبدو في كثير من الأحيان بسيطًا، لكن وراءه مشاعر وأسئلة كثيرة.


أما بريخت، فله أسلوب مختلف في بناء العلاقة بين المسرح والمتلقي، ويجعل المسرح أحيانًا وسيلة للتفكير النقدي في الواقع.


وفي المسرح العربي نجد أصواتًا مختلفة أيضًا.


توفيق الحكيم له عالمه الفكري ولغته الخاصة.


يوسف إدريس له حس إنساني واجتماعي واضح.


وسعد الله ونوس جعل المسرح مساحة واسعة لمناقشة الإنسان والمجتمع والسلطة.


اختلاف هؤلاء لا يعني أن أحدهم "أفضل" من الآخر.


بل يعني أن لكل كاتب طريقته في النظر والكتابة.


وهذا هو الدرس المهم:


لا تبحث عن نسخة أخرى من كاتب تحبه.


تعلم منه، ثم ابحث عن نفسك.


رابعًا: البيئة يمكن أن تصنع صوتًا


ليس على الكاتب أن يهرب من بيئته حتى يصبح عالميًا.


أحيانًا يكون الطريق إلى العالمية هو أن يكتب الإنسان عن المكان الذي يعرفه معرفة حقيقية.


الحارة.


البيت.


السوق.


المقهى.


القرية.


المدينة.


العائلة.


اللهجة.


العادات.


الخوف.


الفرح.


الأمثال الشعبية.


كل هذه الأشياء يمكن أن تصبح مادة مسرحية.


لكن بشرط ألا تتحول إلى مجرد زينة.


إذا استخدم الكاتب لهجة شعبية، فعليه أن يعرف لماذا يستخدمها.


وإذا جعل الأحداث في حارة معينة، فعليه أن يجعل المكان يؤثر في الشخصيات والأحداث.


المكان في المسرح ليس خلفية فقط.


أحيانًا يكون المكان شخصية من شخصيات المسرحية.


خامسًا: الصمت جزء من صوت الكاتب


من الأخطاء الشائعة أن يظن الكاتب أن المسرح يعني الكلام المستمر.


لكن المسرح يمكن أن يتحدث بالصمت.


شخصية تدخل ولا تقول شيئًا.


شخصية تنظر إلى الباب.


شخصية تقرأ رسالة ولا تكملها.


رجل يرفع الهاتف ثم يعيده إلى مكانه.


امرأة تسمع اسمًا قديمًا فتسكت.


كل هذه الأفعال يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا من صفحة كاملة من الحوار.


ولهذا يجب أن يسأل الكاتب نفسه أثناء كتابة المشهد:


هل تحتاج الشخصية إلى الكلام هنا؟


أم أن الصمت أقوى؟


سادسًا: لا تجعل الكاتب يتحدث من أفواه الجميع


هذه مشكلة مهمة.


أحيانًا تكون لدى الكاتب فكرة فلسفية أو اجتماعية يريد إيصالها.


فيجعل كل الشخصيات تتحدث عن الفكرة نفسها.


فتتحول المسرحية إلى محاضرة.


المسرح ليس محاضرة.


حتى عندما يحمل فكرة كبيرة، يجب أن يجعلها تعيش داخل الشخصيات.


إذا كان الكاتب يريد مناقشة الحرية، فليضع شخصية تريد الحرية، وأخرى تخاف منها، وثالثة تستفيد من غيابها.


هنا تتحول الفكرة إلى صراع.


والصراع يتحول إلى مشهد.


والمشهد يتحول إلى مسرح.


سابعًا: كيف نكتشف صوتنا؟


ليس هناك زر نضغط عليه فنحصل على صوت أدبي.


الصوت يأتي مع الوقت.


نقرأ كثيرًا.


نكتب كثيرًا.


نخطئ.


نحذف.


نعيد الكتابة.


نسمع الحوار بصوت مرتفع.


نراقب الناس.


نستمع إلى طريقة كلامهم.


نلاحظ اختلافهم.


ثم نكتب.


ومع مرور الوقت تبدأ بعض الأشياء التي تخصنا وحدنا في الظهور.


ربما جملة قصيرة.


ربما نوع معين من الشخصيات.


ربما طريقة خاصة في بناء المشهد.


ربما ميل إلى السخرية.


ربما اهتمام بالذاكرة.


ربما حب للصمت.


ربما طريقة معينة في إنهاء المشهد.


وهنا نقول:


بدأ صوت الكاتب يظهر.


ثامنًا: لا تبحث عن الغرابة من أجل الغرابة


هناك فرق بين الصوت الخاص والتصنع.


بعض الكتاب يحاولون أن يكونوا مختلفين بأي طريقة.


فيكتبون جملًا غريبة، أو شخصيات غريبة، أو أحداثًا غير مألوفة، فقط حتى يقال إنهم مختلفون.


لكن الاختلاف الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض.


الكاتب صاحب الصوت الخاص قد يكتب عن أب وابنه في غرفة واحدة، وعن أم تنتظر ابنها، وعن رجل يعود إلى بيته القديم.


أحداث بسيطة جدًا.


لكن طريقة رؤيته لها تجعلها مختلفة.


فالجدة ليست دائمًا في الموضوع.


أحيانًا تكون في طريقة النظر إلى الموضوع.


تاسعًا: تمرين عملي


لنأخذ مشهدًا بسيطًا:


رجل يعود بعد عشرين سنة إلى البيت الذي ولد فيه.


يقابل أخاه.


ولا يعرف أي واحد منهما كيف يبدأ الحديث.


اكتب المشهد مرة بأسلوب واقعي.


ثم اكتبه مرة ثانية بأسلوب شعري.


ثم اكتبه مرة ثالثة بأسلوب ساخر.


ثم اكتب المشهد من جديد، ولكن هذه المرة لا تقلد أي أسلوب.


اكتب كما ترى أنت المشهد.


ثم اقرأ النسخ الأربع.


واسأل نفسك:


في أي نسخة كنت أقرب إلى نفسي؟


أي جملة أشعر أنها تشبهني؟


أي شخصية خرجت من داخلي دون أن أقلد أحدًا؟


وأي جزء كنت أكتبه فقط لأنني تأثرت بكاتب آخر؟


هذه الأسئلة أهم من محاولة اختراع "أسلوب" بالقوة.


عاشرًا: الكاتب لا يجد صوته دفعة واحدة


الصوت المسرحي لا يولد كاملًا في أول مسرحية.


قد يكتب الكاتب مسرحية أولى تشبه بعض ما قرأه.


ثم يكتب الثانية ويبتعد قليلًا.


ثم الثالثة ويكتشف شيئًا جديدًا.


ثم بعد سنوات يقرأ أعماله القديمة، فيكتشف أن هناك خيطًا مشتركًا بينها.


ذلك الخيط هو بداية صوته.


ولهذا لا ينبغي للكاتب الشاب أن يخاف من التأثر.


التأثر طبيعي.


الخطأ هو أن يبقى الإنسان مقلدًا.


اقرأ شكسبير.


اقرأ تشيخوف.


اقرأ بريخت.


اقرأ بيكيت.


اقرأ توفيق الحكيم.


اقرأ يوسف إدريس.


اقرأ سعد الله ونوس.


اقرأ غيرهم.


لكن بعد كل هذه القراءات، أغلق الكتب واسأل نفسك:


ماذا أريد أنا أن أقول؟


ثم ابدأ الكتابة.


فالكاتب المسرحي الحقيقي لا يعيش داخل أصوات الآخرين.


يتعلم منها، ثم يبحث عن صوته.


وفي النهاية، يمكن أن نقول:


الصوت المسرحي ليس طريقة في استخدام الكلمات فقط.


إنه طريقة في رؤية الإنسان.


وطريقة في بناء الشخصية.


وطريقة في صناعة الصراع.


وطريقة في استخدام الحوار والصمت.


وطريقة في رؤية المكان.


وطريقة في جعل الجمهور يفكر ويشعر ويتساءل.


وعندما تتجمع هذه الأشياء مع مرور الزمن، يصبح للنص شخصية.


وعندما تصبح للنص شخصية، يبدأ القارئ أو المشاهد في معرفة صاحبه حتى قبل أن يرى اسمه.


وهنا يصل الكاتب إلى واحدة من أهم مراحل رحلته الأدبية:


أن لا يكون مجرد كاتب يعرف كيف يكتب المسرحية، بل كاتبًا إذا قرأنا مسرحيته قلنا:


هذه رؤيته...


هذا عالمه...


وهذا صوته.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف نكتب نهاية المسرحية(اللقاء التاسع والعشرون)...بقلم الكاتب سالم حسن غنيم

أهلي ....بقلم الشاعر عباس نايف عباس

غربة وفقد وطن....بقلم الشاعر سعيد داود

حيت عجزت عن البكاء....بقلم الشاعر احمد العك

هذه دارك يانشمي....بقلم الشاعر سعيد داود

حين تكلمت عيناك....بقلم الشاعر توفيق عبد الله حسانين

عودة الخريف ...بقلم الشاعر عصام أحمد الصامت

الوردة المغرورة ....بقلم الشاعرة أمينة المتوكي

أحببته...بقلم الشاعر أكرم كبشة

تفاحة وانقسمت نصين....بقلم الشاعر عبد المنعم مرعي