كيف نكتب نهاية المسرحية(اللقاء التاسع والعشرون)...بقلم الكاتب سالم حسن غنيم


 مدرسة الحكواتي الأدبية

اللقاء التاسع والعشرون


كيف نكتب نهاية المسرحية؟


وصلنا في اللقاء السابق إلى الذروة؛ تلك اللحظة التي يبلغ فيها الصراع أعلى درجاته، وتصبح الشخصيات أمام حقيقة أو قرار أو مواجهة لا يمكن تأجيلها.


لكن ماذا يحدث بعد الذروة؟


هنا يصل الكاتب إلى مرحلة لا تقل أهمية عن الذروة نفسها:


النهاية.


فقد ينجح الكاتب في بناء فكرة جميلة، وشخصيات مقنعة، وحوار حي، وصراع متصاعد، ثم يضعف كل ذلك بنهاية مستعجلة أو متوقعة أو غير مقنعة.


ولهذا فإن كتابة النهاية تحتاج إلى وعي خاص.


أولًا: النهاية ليست آخر صفحة فقط


النهاية تبدأ منذ أن يزرع الكاتب الأسئلة الأولى في المسرحية.


إذا طرح الكاتب سؤالًا، فعليه أن يعرف ماذا سيفعل بهذا السؤال.


وإذا بنى صراعًا، فعليه أن يعرف إلى أين سيقود الشخصيات.


وإذا جعل شخصية تتغير، فعليه أن يعرف أين ستصل.


لهذا لا ينبغي أن يصل الكاتب إلى آخر المسرحية ثم يسأل:


كيف أنهيها؟


بل الأفضل أن يعرف منذ البداية نوع النهاية التي يمكن أن تنسجم مع طبيعة الحكاية، حتى لو ترك تفاصيلها تتطور أثناء الكتابة.


ثانيًا: النهاية نتيجة وليست حلًا مفاجئًا


النهاية الجيدة تجعلنا نشعر أن ما حدث كان نتيجة لما سبق.


إذا قضينا المسرحية كلها ونحن نتابع شخصية تبحث عن الحقيقة، ثم في النهاية تظهر الحقيقة فجأة من دون تمهيد، فقد يشعر الجمهور بأن الكاتب استعان بحل جاهز.


أما إذا زرع الكاتب الأدلة والإشارات منذ البداية، ثم جاءت الحقيقة في النهاية، فإن المتلقي يشعر بالرضا حتى لو لم يتوقعها.


وهنا نقول:


النهاية المفاجئة ليست المشكلة.


المشكلة هي النهاية غير المبررة.


ثالثًا: ليس كل شيء يحتاج إلى تفسير


من الأخطاء الشائعة أن يشعر الكاتب بأنه يجب أن يشرح كل شيء للجمهور.


فيقول:


"وهكذا عرف الجميع الحقيقة، وتصالح الأخوان، وعادت الأسرة إلى حياتها الطبيعية، وانتهت المشكلة."


هذا قد يكون تقريرًا عن النهاية، لكنه ليس بالضرورة نهاية مسرحية.


يمكن للمشهد أن ينتهي بالفعل.


الأخ يمد يده.


أخوه يتردد.


ثم يصافحه.


أو لا يصافحه.


وينتهي المشهد.


هنا يشارك الجمهور في إكمال المعنى.


المسرح لا يحتاج دائمًا إلى أن يقول لنا ماذا يجب أن نشعر.


رابعًا: النهاية المفتوحة


هناك مسرحيات لا تقدم إجابة نهائية لكل الأسئلة.


قد ينتهي العرض والجمهور ما زال يسأل:


هل اتخذت الشخصية القرار الصحيح؟


هل سيعود الشخص الغائب؟


هل ستنجح العلاقة؟


هل تغير المجتمع؟


هل يمكن إصلاح ما حدث؟


النهاية المفتوحة ليست نهاية ناقصة إذا كانت مقصودة ومبنية جيدًا.


لكن هناك فرق بين النهاية المفتوحة والنهاية الناقصة.


النهاية المفتوحة تترك سؤالًا له معنى.


أما النهاية الناقصة فتترك فراغًا لأن الكاتب لم يعرف كيف ينهي الحكاية.


خامسًا: النهاية المغلقة


في بعض المسرحيات يحتاج الكاتب إلى إغلاق واضح.


ينكشف القاتل.


تُحل المشكلة.


تتخذ الشخصية قرارها.


تنتهي المحاكمة.


تغادر الشخصية المكان.


يموت البطل.


أو تنتهي الحرب.


هذا النوع من النهايات مناسب لبعض الحكايات، خصوصًا عندما يكون السؤال الأساسي واضحًا ويحتاج إلى إجابة.


لكن حتى النهاية المغلقة يمكن أن تترك أثرًا مفتوحًا في ذهن الجمهور.


قد تنتهي القضية، لكن يبدأ السؤال الأخلاقي.


سادسًا: النهاية المأساوية


في التراجيديا، قد تكون النهاية مرتبطة بالخسارة.


لكن موت الشخصية ليس هو الذي يجعل النهاية مأساوية وحده.


المهم أن يكون الموت أو الخسارة نتيجة للصراع.


في مسرحية "هاملت" لشكسبير، لا تأتي النهاية المأساوية منفصلة عن الأحداث السابقة؛ بل تتجمع فيها نتائج الشك والانتقام والصراع والخداع.


وهنا نتعلم أن النهاية القوية ليست مجرد حدث حزين.


إنها حصيلة.


سابعًا: النهاية الكوميدية


حتى الكوميديا تحتاج إلى نهاية.


وقد تكون النهاية فيها مصالحة، أو كشف سوء الفهم، أو انقلاب في الموقف، أو انتصار شخصية على موقف معقد.


لكن الكوميديا الجيدة لا تعتمد فقط على الضحك.


قد تجعلنا نضحك ثم نفكر.


وقد تكشف من خلال السخرية مشكلة اجتماعية أو إنسانية.


ولهذا فإن النهاية الكوميدية لا تعني نهاية سطحية.


ثامنًا: النهاية يمكن أن تعيد معنى البداية


هذه من أجمل تقنيات الكتابة.


أن يبدأ الكاتب بمشهد أو جملة أو صورة، ثم يعود إليها في النهاية ولكن بمعنى مختلف.


مثلاً:


تبدأ المسرحية بطفل يسأل أباه:


"لماذا لا نفتح هذا الباب؟"


ويأتي الأب في النهاية، بعد سنوات، ويفتح الباب.


لكن الطفل أصبح رجلًا.


أو تبدأ المسرحية بصورة معلقة على الجدار.


وفي النهاية تنزل الصورة.


عندها نفهم أن كل ما حدث كان مرتبطًا بها.


هذه الطريقة تمنح المسرحية إحساسًا بالاكتمال.


تاسعًا: النهاية لا تعني نهاية حياة الشخصيات


عندما ينتهي العرض، لا يعني ذلك أن حياة الشخصيات توقفت.


بل إن الكاتب يختار اللحظة التي يتوقف عندها أمام الجمهور.


وهذا سؤال مهم:


لماذا اخترت أن تنتهي المسرحية هنا؟


لماذا لم تنتهِ قبل ذلك؟


ولماذا لم تستمر؟


إذا عرف الكاتب الإجابة، غالبًا يكون قد وجد نقطة النهاية المناسبة.


عاشرًا: لا تقتل الشخصية فقط من أجل التأثير


من أكثر الحلول السهلة التي يلجأ إليها بعض الكتاب:


موت إحدى الشخصيات في النهاية.


الموت حدث قوي، لكنه ليس ضمانًا لنهاية قوية.


إذا لم يكن الموت نتيجة منطقية للصراع، فقد يبدو مجرد محاولة لإجبار الجمهور على البكاء.


والأثر الحقيقي يأتي من المعنى الذي يحمله الحدث.


قد تكون مغادرة الشخصية أقوى من موتها.


وقد يكون صمتها أقوى من خطاب طويل.


وقد يكون بقاؤها في المكان هو المأساة الحقيقية.


الحادي عشر: الجملة الأخيرة


الجملة الأخيرة في المسرحية مهمة جدًا.


ليست لأنها يجب أن تكون حكمة عظيمة.


بل لأنها آخر صوت يسمعه الجمهور.


وقد تكون بسيطة جدًا.


مثل:


"إذن أنت كنت تعرف."


أو:


"اترك الباب مفتوحًا."


أو:


"لم يعد البيت بيتنا."


أو حتى:


"هل تسمع؟"


ثم ظلام.


الجملة الأخيرة يجب ألا تكون مصطنعة.


لا تبحث عن الجملة التي تصلح للاقتباس.


ابحث عن الجملة التي تحتاجها المسرحية.


الثاني عشر: الصمت قد يكون النهاية


أحيانًا لا تحتاج المسرحية إلى جملة أخيرة.


قد ينظر شخص إلى الآخر.


ثم يبتعد.


تنطفئ الإضاءة.


أو قد يبقى الكرسي فارغًا على الخشبة.


أو تسمع أصواتًا من الخارج بينما لا يظهر أحد.


وهنا يصبح الصمت جزءًا من النهاية.


وفي المسرح، ما لا يُقال قد يبقى في ذاكرة الجمهور أكثر مما يُقال.


الثالث عشر: مثال تطبيقي


لنأخذ الحكاية التي استخدمناها في اللقاء السابق:


أخ وأخت يختلفان حول بيع بيت أبيهما.


تظهر رسالة قديمة.


يكتشفان أن الأب كان يخفي حقيقة مهمة.


تصل الأحداث إلى الذروة.


الآن لدينا أكثر من احتمال للنهاية.


النهاية الأولى:


يقرأ الأخ الرسالة.


يقتنع.


يتصالح مع أخته.


ويقرران عدم بيع البيت.


هذه نهاية مغلقة.


النهاية الثانية:


يقرأ الأخ الرسالة.


يصمت.


تقول أخته:


"ماذا كتب؟"


يرد:


"لا أستطيع أن أخبرك."


ثم يخرج.


وهنا النهاية مفتوحة.


النهاية الثالثة:


يقرأ الأخ الرسالة.


ثم يضعها على الطاولة.


يقول:


"كان أبي مخطئًا."


تجيبه أخته:


"وأنت؟"


يصمت.


تنطفئ الإضاءة.


هنا لا نعرف ماذا سيقرر، لكننا نعرف أن الرسالة غيرت شيئًا داخله.


الرابعة عشرة: تمرين عملي


اكتب نهاية واحدة لمسرحية من اختيارك.


ثم اكتب للمسرحية نفسها نهاية ثانية مختلفة.


ثم نهاية ثالثة.


واحدة مغلقة.


واحدة مفتوحة.


واحدة تعتمد على الصمت.


ثم اسأل نفسك:


أي نهاية خرجت من طبيعة الشخصيات؟


أي نهاية كانت مجرد محاولة للتأثير؟


أي نهاية تركت أثرًا بعد انتهائها؟


وأي نهاية احتاجت إلى شرح أكثر مما ينبغي؟


بعد ذلك اختر النهاية التي تخدم المسرحية، لا النهاية التي تستعرض قدرة الكاتب على المفاجأة.


وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن الجمهور لا يغادر المسرح ومعه أحداث المسرحية فقط.


بل يغادر ومعه إحساس.


سؤال.


صورة.


جملة.


شخصية.


أو موقف لا يستطيع أن ينساه بسهولة.


وهذا هو الاختبار الحقيقي للنهاية:


عندما تنطفئ أضواء المسرح، هل تنطفئ الحكاية معها؟


أم تبقى مستمرة في ذهن المشاهد؟


إذا بقيت،

 فقد نجح الكاتب في كتابة نهاية لا تنتهي لحظة إسدال الستار.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أهلي ....بقلم الشاعر عباس نايف عباس

حيت عجزت عن البكاء....بقلم الشاعر احمد العك

هذه دارك يانشمي....بقلم الشاعر سعيد داود

غربة وفقد وطن....بقلم الشاعر سعيد داود

حين تكلمت عيناك....بقلم الشاعر توفيق عبد الله حسانين

أحببته...بقلم الشاعر أكرم كبشة

تفاحة وانقسمت نصين....بقلم الشاعر عبد المنعم مرعي

مش هاقدر أداري...بقلم الشاعر عبد الكبير محمد أحمد

كيف يجد الكاتب صوته المسرحي(اللقاء 26)....بقلم الكاتب سالم حسن غنيم