من كتاب أشهر النساء في التأريخ نفرتيتي.. للأديب والشاعر/د.عبدالحميد دبوان

 من كتابي أشهر النساء في التاريخ

نفرتيتي

أمثولة الجمال والحب

الشعر والخيال والموسيقى ،والحكمة العالية ،والفلسفة العميقة ،والمغامرة والحب والتضحية والسخرية من القديم تلك هي الأسس التي قامت عليها حياة نفرتيتي وزوجها أخناتون.وعليها بدأت قصتها الخالدة التي ظل التاريخ يترنم به أطول العصور ودون أن يكف عن التغني بها والإشادة بأبطالها العظماء .

تلك هي الكلمات التي صدرت بها كتابها الكاتبة المصرية سنية قراعة عن نفرتيتي الملكة الفرعونية التي ملأت سمع الدنيا وحديث الناس بجمالها وعظمتها ونبلها ورقتها وعطفها وحنانها.

لقد استطاعت هذه الملكة (ويختلف المؤرخون في أصلها) فمنهم من يذكر أنا أخت الفرعون أخناتون وابنة الملكة (تي ) وآخرون يرون أنها من أصل سوري فهي أميرة سورية اختارتها الملكة (تي) لابنها ويبتعدون أكثر من ذلك عندما يقررون أن الملكة (تي) نفسها من أصل سوري )استطاعت هذه الملكة أن تستحوذ على قلب أخناتون كان يصطحبها إلى كل مكان يذهب إليه على غير عادة ملوك الفراعنة.

وتقرر الكاتبة سنية قراعة أنها من أصل آسيوي امتازت بالجمال البدوي العربي الناعم .وأن الملكة تي هي التي اختارتها زوجاً لابنها امنحتب الرابع =أخناتون) لما وهبتها به الطبيعة من سحر لايستطيع الرجال مقاومته ،وراحت تلقنها الدور الذي تريد، وهو نفس الدور الذي بدأت مع أبيه الملك أمينوفيس الثالث الذي كان يحبها كثيراً والذي احتلت منه تفكيره دون أن تؤثر على فكرته الدينية .

ولكننا عندما نستطلع ما قاله الكاتب سليم حسن في كتابه (موسوعة مصر القديمة) نجد أنه يرجح أن نفرتيتي هي ابنة الملكة تي وأخت (أخناتون) وقد اشترك أخناتون مع أبيه في حكم مصر سبع سنوات كان فيها امنحتب الثالث مريضاً بسبب مجونه وخلاعته وسكره الشديد وفي هذه الفترة كان أخناتون يعد العدة للانقلاب الديني الذي ظهرت مقدماته منذ عهد (تحتمس الرابع) جد أخناتون وهو عبادة الشمس التي تسمى في اللغة المصرية القديمة (آتون).

المعروف تاريخياً أن تحتمس الرابع كان أول فرعون يثور على سلطة  كهنة آمون وينتزع من يدهم وظيفة رئيس كهنة القطرين ويقلدها لأحد قواده الذين يركن إليهم ويثق فيهم.

وفي عهد (امنحتب الثالث) والد أخناتون خطا الميل إلى عبادة قرص الشمس خطوة ثانية فنشاهد هذا الفرعون يطلق على قاربه الذي يتنزه فيه في بحيرته الصناعية بمدينة هاتون اسم (تحن آتن) ويعني آتون يضيء.

ولنعد الآن إلى قصة نفرتيتي التي نرجح أنها من أصول أسيوية فقد كاتبت الملكة تي أمراء شعوب آسيا وبخاصة (سورية) وذكرت لهم في الرسائل هدفها من تزويج الأميرة السورية (نفرتيتي )من ولي عهد مصر (امنحتب الرابع) وأنها ستجعل عبادة الشمس التي هي عبادة الآسيويين هي الغالبة في مصر خاصة وأنها ترى في ولدها ولي العهد هذا دليل فهو يكره كرهاً شديداً آمون وكهنة آمون.

وقد وافق ملوك آسيا قول الملكة تي (خاصة وهي ابنتهم التي مهدت السبيل للتغير القادم.

وكان الخاصة منهم يتحدثون عن الخطوة الأولى للانقلاب الذي سيمهد له برباط الزيجة بين ولي عهد فرعون وإحدى أميرات آسيا (نفرتيتي ) ولقد اختارتها تي وهي طفلة وصارحت والدها بما كانت تريد وأمرته أن يربي الصغيرة نفرتيتي وفق طريقة عينتها له، والآن والطفلة قد نضجت وأصبحت شابة توفر فيها الذكاء والفطنة والوقار فقد آن الأوان للقيام بهذه الخطوة.

وكما كانت شعوب آسيا ترقب تي بعين الإكبار والتقديس ،كانت في ذات الوقت ترعى نفرتيتي وتنظر إليها بعين الأمل والتفاؤل.

وحل اليوم الذي وصل فيه إلى سوريا رسول صاحب التاجين ،وحامل شارة الثعبان المقدس ،فرعون مصر وسيدها ،وحاكم الأقاليم الآسيوية وحبيب آمون ومجمع آلهة طيبة العظام والمظلل بنور (رع وبتاح) أمينيوفيس العظيم (ويسمى في المصادر المصرية (امنحتب الثالث) وعرف الناس البشرى التي كانوا يرقبونها ويتوقون إلى سماعها فهاهو فرعون يطلب الصغيرة نفرتيتي لابنه ولي العهد.

وقامت شعوب آسيا بأجمعها لتشترك في وداع الأميرة الشابة التي سرعان ماكانت على أهبة الاستعداد لاصطحاب رسل فرعون وكبار رجاله الذين جاؤوا لاصطحابها.

وكانت مظاهرة قومية هزت مشاعر الأميرة ،فذرفت عيناها الدمع من أجل هذه الشعوب التي كانت تعرف إحساسها وأحلامها والتي كانت ترى فيها مخلصة ومنقذة.

وخرجت تودعها بالمهج والأرواح ليظل هذا المشهد عالقاً بذاكرتها مابقيت في مصر ومابقي في خيالها مكان يذكرها بقولها وأمانيهم العزيزة وصحب ملوك أسيا وولاة فرعون الركب الملكي حتى تجاوز الحصر,

وقطعوا مراحل في قلب الصحراء ثم عادوا تاركين وديعتهم الغالية إلى أيدٍ أمينة.

وبدأت نفرتيتي تشعر بإحساس غريب ما أحسته قبل اليوم. فقلبها يدق ويدها الصغيرة ترتجف وهي تشد بها على يد أبيها الشيخ الذي كان يمتطي جواده يسير إلى جانب محفتها.

ورأت وهي تسير إلى جانبها وجهاً تعرفه اندس بين رجال الحرس المصري ،وقد كان يحاول ألا تقع عليه عين..كان شاباً في مقتبل العمر وقد كره البقاء في بلاد أقفرت من حبيبته نفرتيتي ،ولم يطق البقاء فرحل، رحل إلى حيث كانت ذاهبة ،إلى الوادي المقدس ليعيش هناك ،ويتنفس من الهواء الذي تتنفس منه تلك التي فقدها لأن الأقدار كانت أقوى منه ومنها.

وحولت الأميرة بصرها عنه وقد قامت في نفسها مشاعر عديدة كانت البغضاء محورها،ولقد قامت في نفسها فكرة القضاء عليه،ولكن روحها المغامرة أبت أن تتركه ليعرف ماذا يريد أن يفعل.

كان سيبك وهو اسم الشاب يحب نفرتيتي ،وكانت بدورها تميل إليه ،ولكنها كانت تعرف أنها لم تكتب له، ولهذا لم تستسلم إلى تيار الهوى، ولم ترض الخضوع لشريعته ، ولكن الشاب لم يقبل أن يكون مثلها، فقد كان يود أن ينعم باللحظة التي يراها فيها ،أما الغدر فلا يفكر فيه أبداً.

ولقد آلمه كثيراً فقدانها فهو لايتصور ذلك أبداً ويعتقد انه أحق بها من غيره ،فهما من موطن واحد جمع بينهما الحب تكيف للغدر أن يفرق بينهما.

وخطرت له ذات يوم فكرة التخلص من حياته شريطة أن تشاركه حبيبته في هذه المغامرة ،يستريحان من لوعة الحب والحرمان الذي سببه لهما القدر. وصارحها بفكرته تلك فارتعدت ورفضت الفكرة فهي لاتريد أن تعرض نفسها وقومها لأية تساؤلات أو تقولات تسيء إليهم.

وعندما حانت ساعة الوداع جن جنونه وثارت ثائرته ،وراح خياله المريض يعرض أمامه أغرب الصور وأبشع الأفكار.

فحاولت نفرتيتي أن تكون لولي عهد فرعون مصر .وعندما لم تجد منه أذناً صاغية تركته لشأنه ولم تعد تصغي إليه ،وانطلقت مع موكب رسل الفرعون وهي تحلم بمصر العزيزة جنة الدنيا وسيدتها ،وتحلم بعرشها الذهبي وفرعونها صاحب التاجين.

وعندما وصلت إلى مصر تلقتها الملكة تي ورحبت بها أجمل ترحيب واحتضنتها ،وراحت تلقن عروس ابنها الفاتنة دوراً تغير به وجه التاريخ المصري.

ووجد أخناتون في الفاتنة نفرتيتي الجمال الشرقي الخلاب ،وسحر اللفظ،وموسيقى النبرات ،فأحبها ،وأنسته غرامه القديم ،واحتلت من قلبه كل مكان فيه.

ووجد اخناتون في حبيبته الأنوثة الكاملة ،ووجدت فيه الرجل المثالي فعقد الحب بينهما برباطه المقدس وتكللت حياتهما بالسعادة والفرح، وكان عصرها هو بداية الأسرة التي ينتمي إليها (امنحتب الرابع) بداية القوة والطموح والامتداد للخارج ،كما أن تلك الأسرة كانت صاحبة الفضل في تحرير مصر واستقلالها ،وطرد الغاصب من أرضها فلا عجب أن سار ملوكها على منهاج القوة والبطش وإثارة الحروب وتشييد الملك العريض والإمبراطورية الواسعة.

وفي هذا العصر تجلت أيضاً عبقرية الأبطال العسكرية ،وظهر فيه دهاء الساسة، وتجلت فيه براعة الملوك قبل أخناتون مثل حتشبسوت وتحتمس وغيرهم.

أما اخناتون ذلك الفيلسوف ،فقد أراد أن يحصل على أشياء كثيرة ،أراد الجاه والسمو والرفعة ،ولكن في غير ظل الظلم والتعسف وبغير الالتجاء إلى السيف وآلات التعذيب.

ووجدت نفرتيتي في زوجها فلسفة دينية عالية سمت به إلى حد التفكير في الخالق الأكبر والانتماء إليه وحده دون حاجة إلى معبودات خرافية كان قومه يقدسونها ،فشجعته وآمنت بفكرته، بل إن أفكاره هذه كانت تطابق أفكارها التي تؤمن بها ويؤمن بها قومها .

وما أن توج ملكاً بعد موت أبيه (امنحتب الثالث) حتى أعلن في طول البلاد وعرضها بطلان جميع العادات وتوحيدها تحت ظل أول وحدانية عرفها التاريخ ،وهي عبادة القوة المستترة خلف قرص الشمس.

وكانت ثورة دينية لم يأبه لها، وكره أن يكون اسمه (امنحتب الرابع) إذ وجد فيه ظل الربقة وقيد الخضوع للماضي ،وسرعان ما حطمه وتحرر منه ،وكان معنى اسمه (آمون الطيب) فاستبدله باسم إخناتون أي عبد آتون.

وسجل الفرعون الشاب أول وحدانية امتازت بطوابع لم نعرفها إلا عنده وحده وبإيحاء من الفاتنة الحبيبة زوجته (نفرتيتي ) التي كانت تشجعه في الخطوات التي يقوم بها.

ولكن .. لقد جاهر بفلسفته هذه شعباً لم يعتد هذا اللون من ألوان التفكير .. شعباً أحب القوة وقدسها وتبع أصحابها.. ولأنه لم يكن من أصحاب القوة التي يقدسها الشعب فقد تغيرت النظرة إليه ،دون أن يفقد جلاله وهيبته.

لقد نظرت شعوب الإمبراطورية الفرعونية الشاسعة إلى حاكمها فإذا به عابد يترنم ويصوغ الشعر في معبوده وخالقه (آتون) وكان أن بدأت تنسلخ عنه وتتحرر من سلطان بلاده.

وحاول إخناتون بنظرياته السلمية العالية أن يبسط السلام وأن يظهر للعالم وقتها مصر الخالدة في صورة غير التي عرفوها عليها دائماً.

أراد إخناتون أن يظهر مصر أستاذة للشعوب تلقن كل شعب أصول السمو والمحبة والإخاء.

وكانت نفرتيتي الجميلة دائماً إلى جانبه لاتفارقه لحظة، وكان هو متمسكاً بها يذكرها في كل مناسبة ،لقد كانت صاحبة الأثر في دعوته وصاحبة التأثير عليه ،لقد كانت تسبغ على حياته جواً من الهدوء والحب والحنان جعله يحبها ويستكين إليها فكانا الصورة الرائعة للزوج البار والزوجة الوفية الطيبة.

هذه هي الصورة التي تجلت في ذلك العصر ،وهذه هي نفرتيتي الملكة العظيمة التي غيرت بفطنتها وذكائها وجه التاريخ في مصر فترة من الزمن.


د عبد الحميد ديوان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

طال الليل أفكر فيك ....بقلم الشاعر محمود دبشه

غربة.. بقلم الشاعرة/وفاء غباشي

ثمل بالحب.. الشاعر/أحمد تجاني أديبايو

حان وقت سفري....بقلم الشاعر محمود دبشة

ياريحانة القلب....بقلم الشاعر نورالدين محمد نورالدين

على وطني....بقلم الشاعر محمد سعيد نصر الشرعبي

قالت تعاتبني.. بقلم الشاعر/محمد الشرعبي

بننسى اننا كنا اخوات...؟...بقلم الشاعر خيري حسن

ياولدي...بقلم الشاعر معز ماني

فارس الظلال...بقلم الشاعر محمد سليمان أبو سند