تكريم القامات الأدبية في حياتهم...بقلم الباحث والناقد الاستاذ طه دخل ألله عبد الرحمن


 تكريم القامات الأدبية في حياتهم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنزل على عبده البيان، وجعل القلم وسيلة لإظهار حقائق الإيمان، وجعل للأدباء والمفكرين مكانًا يُرفَع به شأن الإنسان، والحمد لله الذي جعل الكلمة نورًا تهتدي به العقول، وتنشرح له الصدور، وجعل للأديب مكانًا ترتفع به الأقدار، وتعلو به الأمم والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أفصح العرب لساناً، وأبلغهم بياناً، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد

إن الحديث عن تكريم القامات الأدبية في حياتهم حديث ذو شجون، وهو يمس صميم ضمير الأمة ووجدانها، ويدل على رقيها وحضارتها. فالأديب الحقيقي ليس الأديب من ينظم الحروف بل هو من ينسج منها عالما قائما بذاته أو راوٍ للحكايات، بل هو مشعلُ نورٍ يهدي الأجيال، ومرآةٌ صافيةٌ تعكس آمال الأمة وآلامها، ومهندسٌ لأرواح الناس وعقولهم. فهو يستخرج المعاني من أعماق الحياة ويصوغها جواهرَ تزيّن تاج الثقافة والإبداع.

إن تكريم القامات الأدبية في حياتهم ليست فكرة عابرة، أو عرفا اجتماعيا، بل هو قضية مصيرية تتعلق بحياة الأمة وموتها، بقوة وجودها أو اضمحلالها. فهو حديث عن الوفاء للعطاء، والاعتراف بالجميل، وتقدير الفكر الذي يصنع الحياة ويغير مجرى التاريخ.

فالأديب الحقيقي ليس ذلك الذي يملأ الصفحات بالحروف بل من يملأ القلوب بالأفكار والعبر، وهو حارسٌ للذاكرة الجماعية، ومهندسٌ للوجدان الجمعي، ومُشعلُ شعلةٍ تنير الدرب للأجيال المتعاقبة. هو رائدٌ يسبق عصره، ونبيٌّ من أنبياء الثقافة والفكر، يحمل رسالةً إنسانيةً سامية، تهدف إلى الارتقاء بالإنسان وبناء الحضارة وصناعة الحياة.

وليس التكريم مأتما لذكرى انتهاء مسيرة بل اشعالا لشعلة جديدة تضيء للآخرين درب العطاء، أو كلمة تقال، أو وسام يُمنح، ثم يذهب ذلك في ريح النسيان. بل التكريم الحقيقي هو اعترافٌ بالجميل، ووفاءٌ للعطاء، وتقديرٌ للفكر الذي يصنع الحياة ويُغنيها. إنه استشعارٌ لدور الأديب كمُنيرٍ للطريق، وموجهٍ للبوصلة الثقافية للأمة.

ولذلك فإن تكريم الأديب في حياته له أبعادٌ وأهداف سامية، منها:

 أولًا: تشجيعٌ له على المزيد من العطاء. فحين يرى الأديب أن جهوده تُقَدَّر، وعطاءه يُرى، فإن ذلك يمدُّه بطاقةٍ هائلة لمواصلة العطاء، ويدفعه لبذل المزيد من الجهد في صقل موهبته وتطوير فكره.

كما أن التكريم تشجيعٌ للمبدع واستدامةٌ للإبداع فالأديب بشر، يُحِب أن يرى ثمرة جهوده، ويلمس أثر عطائه. فإذا رأى التقدير، وسمع كلمات الثناء، ووجد المجتمع يقف إلى جانبه، اشتعلت همته، وتجددت طاقته، وأمْعَن في العطاء، وزاد من إنتاجه، كما تزهر الشجرة إذا سقيتها، وتثمر إذا اعتنيت بها. فالتكريم ليس منّةً أو هبة، بل هو استثمار في رأس المال الفكري، الذي هو أغلى ما تملك الأمة.

ثانيًا: تثمينٌ للفكر والإبداع في زمن طغت فيه القيم المادية. فبتكريمنا للأديب نعلن للجميع أن للأفكار سوقها الرائجة، وللإبداع قيمته العليا، وأن العقل والروح هما أغلى ما نملك، وأن الكلمة الحقّة هي السلاح الأقوى والأبقى.

إذن التكريم حفاظٌ على التراث ومنعٌ للضياع فكم من أديبٍ عظيمٍ رحل عنا، ولم ندرك قيمته إلا بعد فوات الأوان! فذَهَبَ بموته كنزٌ ثقافيٌ هائل، لأننا لم نوليه الاهتمام الكافي في حياته. فالتكريم هو بمثابة توثيقٍ حيٍ للإنجاز الأدبي، وتسليطٍ للضوء على الإضافات النوعية، مما يضمن حفظها من الاندثار، ويمنع ضياعها في زحام الحياة.

ثالثًا: توعيةٌ للأجيال الناشئة بأهمية الأدب والثقافة. فحين نكرم أديباً مشهوراً، ونذيع أخباره في الإعلام فإننا نقدم للنشء قدوةً يُحتذى بها، فنغرس فيهم حب الأدب، والشغف بالمعرفة، والسعي للتميز، مما يضمن استمرار المسيرة الأدبية، ونفتح أمام أعينهم آفاقًا من الجمال والفن ، ونغرس فيهم حب القراءة والتفكير والإبداع، فنضمن بذلك استمرار المسيرة وعدم انقطاعها بل عدم انقطاع خيط الإبداع عبر الأجيال.

رابعًا: حفظٌ للتراث الفكري والأدبي من الضياع. فالتكريم هو بمثابة توثيق حي للنتاج الإبداعي، وتسليط للضوء على الإضافات النوعية التي يقدمها هذا الأديب أو تلك، مما يشكل ذاكرة جماعية للأمة تحفظ لها هويتها وتاريخها. وعليه فالتكريم إعلاءٌ لشأن الفكر والأدب في عصر طغت فيه القيم المادية، وسادت فيه ثقافة الاستهلاك، أصبح التكريم الأدبي رسالةً قويةً مفادها أن للأفكار قيمة، وأن للكلمة وزنها، وأن العقل والروح هما أغلى ما نملك. فهو تأكيد على أن الأمة التي لا تقدر مفكريها وأدبائها هي أمة بلا ذاكرة، وبلا هوية، وبلا مستقبل.

خامسًا: التكريم عدالةٌ اجتماعيةٌ ووفاءٌ للأجيال، فكيف نوفق بين إهمال الأديب في حياته، وبين الإشادة به بعد مماته؟! إن ذلك لظلمٌ بَيّنٌ وجحودٌ للفضل. فالتكريم هو ردٌ للجميل، ووفاءٌ للعطاء، وإحقاقٌ للعدالة التي تستحقها هذه العقول التي أثرت حياتنا وأغنتها.

إن الأمة التي لا تكرم مبدعيها في حياتهم – سادتي – هي أمةٌ جاحدةٌ، لا تعرف للفضل فضله، ولا للعطاء قيمته. وهي بذلك تُحبط همم أبنائها، وتُظلم نفسها، وتقطع جذورها التي تَمُدُها بالحياة. فكم من أدباء عاشوا وماتوا وهم يشعرون بالمرارة لأنهم لم يجدوا من يسمع لهم أو يعترف بهم فطوَتْهم صفحات النسيان وضاع عطاؤهم بين الأوراق المهملة.

إن علينا – كأفراد ومؤسسات – أن نتحمل مسؤولية تكريم هذه القامات الشامخة وذلك من خلال:

* الاحتفاء بهم في المنابر الإعلامية والثقافية، وإتاحة الفرصة لهم لنقل خبراتهم.

* نقد نتاجهم الأدبي نقداً موضوعياً بناءً يظهر قيمته ويطوره، لا نقداً هداماً ينتقص منه.

* طباعة ونشر أعمالهم على نطاق واسع وتسهيل وصولها للقارئ.

* إشراكهم في صياغة المشاريع الثقافية والتعليمية والاستفادة من حكمتهم ورؤيتهم.

* تسمية المؤسسات الثقافية والفعاليات الأدبية بأسمائهم لتبقى ذكراهم حية.

ختامًا، إن تكريم الأديب في حياته ليس منّةً منه عليه، بل هو واجبٌ علينا تجاهه، وخدمةٌ لمستقبل أمتنا وثقافتنا. فهو الاستثمار الحقيقي في الإنسان وفي الفكر وفي الجمال. فلنعمل جميعاً على أن نرى كل أديب مبدعٍ في أمتنا وهو يُكرم وهو بين أهله وذويه، يرى ابتسامة الرضا على وجوههم، ويسمع كلمات الثناء من أفواههم فتسمو روحه ويزداد عطاء وتزهو حضارتنا.

طه دخل الله عبد الرحمن

البعنه == الجليل

19/09/2025


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

طال الليل أفكر فيك ....بقلم الشاعر محمود دبشه

غربة.. بقلم الشاعرة/وفاء غباشي

ثمل بالحب.. الشاعر/أحمد تجاني أديبايو

حان وقت سفري....بقلم الشاعر محمود دبشة

ياريحانة القلب....بقلم الشاعر نورالدين محمد نورالدين

على وطني....بقلم الشاعر محمد سعيد نصر الشرعبي

قالت تعاتبني.. بقلم الشاعر/محمد الشرعبي

بننسى اننا كنا اخوات...؟...بقلم الشاعر خيري حسن

ياولدي...بقلم الشاعر معز ماني

فارس الظلال...بقلم الشاعر محمد سليمان أبو سند