الكلمة وأثرها على النفس.. بقلم الكاتب/أ. إسماعيل مفتاح الشريف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته/
( الكلمة وأثرها على النفس )
.. لقَدْ أوجَدَ اللهُ سبحانَهُ هذَا الكونَ العظيمَ بمشيئتِهِ بواسطةِ كلمةٍ قالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ فالبناءُ والمحبةُ والوحدةُ مفتاحُهَا كلمةٌ بِهَا يرتفِعُ قائلُهَا ويعلُو مقامُهُ عندَ اللهِ وعندَ الناسِ والخرابُ والدمارُ والخصامُ والتفرقةُ يكونُ أيضًا بكلمةٍ بِهَا تسقُطُ مكانةُ قائلِهَا عندَ اللهِ وعندَ الناسِ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:« إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِى جَهَنَّمَ».
.. إن الكلمةُ مسؤوليةٌ كبيرةٌ تُوجِبُ علَى كُلِّ ناطقٍ ومتكلمٍ أَنْ يتفَكَّرَ ويَعِيَ أبعادَ مَا يقولُ ويتكلَّمُ بهِ وخاصةً أولئكَ الذينَ تتحوَّلُ كلماتُهُمْ إلَى أفكارٍ تُنْشَرُ وتُعْلَنُ أَوْ كلماتٍ تتعلَّقُ بِهَا مصالِحُ المجتمعِ يقول رسولنا الصادق الأمين في حديثه الشريف : ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ).
.. الكلمة ما الكلمة؟ الكلمة لفظة ذات حدين ورسالة ذات ضدين .. فهي -إن شئتم- شمس مشرقة أو نار محرقة .. هي دليل فاصل أو سيف قاصل .. هي صيب الغيث أو سيء العيث.
.. لقَدْ جعلَ اللهُ عزَّ وجلَّ الكلمةَ رسولاً بينَ الناسِ تصِلُ مَا بينَهُمْ وترجمانًا تُظهِرُ مشاعرَهُمْ ودليلاً علَى نواياهُمْ لذلِكَ مَنَّ اللهُ تعالَى علَى عبادِهِ بِخَلْقِ اللسانِ الذِي هُوَ مُظْهِرُ الكلمةِ وعلامةُ الهدايةِ فقالَ تبارك وتعالى : ﴿ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ .. جعلَ لصاحِبِ الكلامِ عظيمَ الثوابِ أَوْ أليمَ العقابِ بقدْرِ مَا يَترتَّبُ علَى كلامِهِ مِنْ منافِعَ أَوْ مضارَّ ومِنْ خيرٍ أَوْ شرٍّ وأَمَرَ المسلمَ أَنْ لاَ يستهينَ بلسانِهِ فيطلقَهُ ويتكلَّمَ مِنْ غيرِ بينةٍ ولاَ تدبُّرٍ ولاَ إدراكٍ للعواقبِ قالَ تعالَى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .
.. قدَ مدَحَ اللهُ تباركَ وتعالَى المؤمنينَ الذينَ يبتعدونَ عَنْ فُضولِ الكلامِ وعَنِ اللغْوِ فجاء في قوله تبارك وتعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾.
.. إن الكلمة قضيةٌ حضارية وقيمة عالمية تبارت الأمم في ميدانها الفسيح تنشد الغلب والإستباق ولأجلها جادت بنفيس الأعلاق وأغدقت عليها لنفاذها في الآفاق قضيةٌ هي ترجمان الحضارة وانبثاقاتها وصوت القوة وانعكاساتها تحذو الأمم إلى المعالي وربوعها ومنازل العزة وينبوعها قضية تنطوي النور والحكمة والحياة والرحمة والهداية والنجاة بالباقيات الصالحات .. تلكم هي مسئولية الكلمة في أجلى حقائقها وأميز دقائقها وشتى طرائقها سمعاً وكتابةً، نطقاً وإجابةً، إخفاقاً وإصابة.
.. خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وأمده بالفهم و حَبَاهُ بالتكريم سبحانه.. رفع شأن العلم فأقسم بالقلم وامتنَّ على الإنسان فعلمه ما لم يكن يعلم وقال لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾.
.. إن من فضائلِ العلمِ وبركاتِهِ أن القرآن الكريم لم يقبل مجردَ المقارنة بين أهل العلم وفاقديه على الإطلاق وعدَّ ذلك قياساً مرفوضاً حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز : ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ .
.. بالعلم يُعبَدُ الله على بصيرةٍ وتُقَى ويَقْضِي الناس في الدنيا مآربهم على ضياءٍ من أحكام الشرع الكريم وبالعلمِ يُقيمون مراسيمَ حياتهم في زواجٍ أو تجارةٍ أو جيرةٍ أو شراكةٍ بحيث يعرف كلٌ منهم ماله وما عليه .. وقبل هذا كله فالعلم هو طريق المعرفة للإعتقاد في رب الأرباب سبحانه وتعالى قال الله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ... ﴾.
مع تحياتي وفائق إحترامي لكم جميعاً.
الأستاذ : إسماعيل مفتاح الشريف.
البلد : ليبيا.
الصفة : رئيس مجلس الإدارة لمؤسسة الخيمة الثقافية للسلام .
تعليقات
إرسال تعليق