هل الانسان بحاجة الى الغيب؟! (اللقاء 27)....بقلم الكاتب سالم غنيم
اللقاء السابع والعشرون: هل الإنسان بحاجة إلى الغيب؟
الحكواتي:
صباح الخير يا سالم...
في اللقاء السابق تحدثنا عن الأسئلة التي قد لا نجد لها إجابات نهائية، وعن حاجة الإنسان إلى الاستمرار في البحث. واليوم نقترب من سؤال عميق يمس جوهر التجربة الإنسانية: هل يحتاج الإنسان إلى الغيب؟
سالم غنيم:
صباح النور أيها الحكواتي...
منذ بداية التاريخ، لم يكتفِ الإنسان بما تراه عيناه وتدركه حواسه. كان دائمًا يبحث عن معنى يتجاوز الظاهر، وعن إجابات للأسئلة التي تتعلق بالمصير والغاية والوجود.
الحكواتي:
ما المقصود بالغيب يا سالم؟
سالم غنيم:
الغيب هو ما يتجاوز حدود إدراك الإنسان المباشر. وقد اختلفت نظرة البشر إليه؛ فهناك من يراه مجالًا للإيمان والروحانيات، وهناك من يتعامل معه بوصفه مساحة للمجهول الذي لم يصل إليه العلم بعد.
الحكواتي:
ولماذا يبحث الإنسان عن شيء لا يستطيع رؤيته؟
سالم غنيم:
لأن الإنسان ليس مجرد كائن مادي. لديه أسئلة داخلية عن المعنى، والعدل، والمصير، والحياة بعد الموت. هذه الأسئلة لا ترتبط فقط بما يمكن قياسه، بل بما يمنح الحياة قيمة وغاية.
الحكواتي:
إذن الغيب مرتبط بحاجة الإنسان إلى المعنى؟
سالم غنيم:
نعم... فالمعرفة تجيب عن كثير من أسئلة "كيف"، لكن الإنسان يظل يسأل "لماذا". لماذا نعيش؟ لماذا يوجد الخير والشر؟ ما معنى الرحلة الإنسانية؟ وهذه أسئلة تتجاوز الجانب التجريبي وحده.
الحكواتي:
لكن هناك من يرى أن الإنسان يجب أن يعتمد فقط على ما يثبته العقل والعلم.
سالم غنيم:
العلم أداة عظيمة لفهم العالم، ولا يمكن الاستغناء عنه. لكنه يعمل ضمن مجال محدد؛ يدرس الظواهر القابلة للملاحظة والاختبار. أما الأسئلة المتعلقة بالمعنى والقيمة والمصير، فهي تدخل في مجالات أخرى مثل الفلسفة والدين والتأمل.
الحكواتي:
وهل الإيمان بالغيب يعني التخلي عن العقل؟
سالم غنيم:
أبدًا. فالكثير من المفكرين رأوا أن العقل والإيمان يمكن أن يتحاورا. العقل يسأل ويميز، والإيمان يمنح الإنسان إطارًا لفهم الحياة. المشكلة ليست في الإيمان، بل في رفض التفكير أو رفض التساؤل.
الحكواتي:
لكن لماذا يخاف بعض الناس من الغيب؟
سالم غنيم:
لأن المجهول بطبيعته يثير القلق. الإنسان يريد أن يسيطر على حياته، وعندما يواجه شيئًا خارج قدرته يشعر بعدم الأمان. لكن التعامل الحكيم مع الغيب لا يكون بالخوف، بل بالطمأنينة والتأمل.
الحكواتي:
هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا أي تصور عن الغيب؟
سالم غنيم:
ربما يستطيع أن يعيش من الناحية العملية، لكنه سيظل يواجه الأسئلة الكبرى. فحتى من يرفض فكرة الغيب لديه تصورات عن معنى الحياة، والموت، والقيم، والمستقبل. الإنسان دائمًا يبحث عن إطار يفسر وجوده.
الحكواتي:
إذن الحاجة إلى الغيب ليست مجرد رغبة في معرفة المجهول، بل حاجة نفسية وفلسفية.
سالم غنيم:
بالضبط. فالغيب عند الإنسان ليس فقط ما لا يراه، بل ما يمنحه الأمل، وما يجعله يشعر أن للحياة عمقًا يتجاوز اللحظة العابرة.
الحكواتي:
لكن هل يجب أن يتحول الإيمان بالغيب إلى قبول كل ما يُقال عن المجهول؟
سالم غنيم:
هنا تأتي الحكمة. الإيمان شيء، والخرافة شيء آخر. الإنسان يحتاج إلى قلب مطمئن، لكنه يحتاج أيضًا إلى عقل واعٍ يميز بين الحقيقة والوهم.
الحكواتي:
وفي نهاية اللقاء نقول:
قد لا يرى الإنسان كل شيء بعينيه... لكنه يبحث دائمًا عن معنى لما يراه وما لا يراه.
سالم غنيم:
فالإنسان يعيش بين عالم يشاهده، وعالم يتأمله... وبين الاثنين تتشكل رحلته في البحث عن الحقيقة.

تعليقات
إرسال تعليق