قراءة لقصيدة((إلى أمي))للشاعر الكبير محمود درويش...بقلم الناقد والباحث طه دخل الله عبد الرحمن


 قراءة لقصيدة – إلى أمي -  للشاعر محمود درويش 10-11-2025

القصيدة:

إلى أُمِي

أحنُّ إلى خبز أمي

وقهوة أُمي

ولمسة أُمي..

وتكبر فيَّ الطفولةُ

يوماً على صدر يومِ

وأعشَقُ عمرِي لأني

إذا مُتُّ ,

أخجل من دمع أُمي !

خذيني ، إذا عدتُ يوماً

وشاحاً لهُدْبِكْ

وغطّي عظامي بعشب

تعمَّد من طهر كعبك

وشُدّي وثاقي..

بخصلة شعر..

بخيطٍ يلوَّح في ذيل ثوبك..

عساني أصيرُ إلهاً

إلهاً أصيرْ.

إذا ما لمستُ قرارة قلبك !

ضعيني , إذا ما رجعتُ

وقوداً بتنور ناركْ...

وحبل غسيل على سطح دارك

لأني فقدتُ الوقوف

بدون صلاة نهارك

هَرِمْتُ , فردّي نجوم الطفولة

حتى أُشارك

صغار العصافير

درب الرجوع ...

لعُشِّ انتظارِك !

*********************

القراءة:  

تمثل قصيدة "إلى أمي" للشاعر الفلسطيني محمود درويش واحدة من أروع القصائد في الشعر العربي الحديث التي جسدت علاقة الابن بأمه، حيث تتحول الأم من كائن بيولوجي إلى رمز للوطن، والذاكرة، والهوية، والوجود نفسه. هذه القصيدة ليست مجرد تعبير عاطفي عن الحنين للأم، بل هي نص متعدد الطبقات، غني بالدلالات البلاغية والفنية.

أولاً: التحليل العام للقصيدة

تبدو القصيدة كأنها صلاة أو مناجاة روحية، يبوح فيها الشاعر بأعمق مشاعره تجاه أمه، معبراً عن حنينه للطفولة والدفء والأمان. لكن قراءة أعمق تكشف أن هذه الأم هي رمز للوطن الفلسطيني المغتصب، والحنين لها هو حنين للجذور والهوية. القصيدة تقوم على ثنائيات: الحضور والغياب، الحياة والموت، الطفولة والهرم، القوة والضعف، الأرض والمنفى.

ثانياً: تحليل الصور الفنية والبلاغية

1. الاستهلال بالحسيات والرموز البسيطة: "أحنُّ إلى خبز أمي / وقهوة أُمي / ولمسة أُمي"

* يبدأ الشاعر بقائمة من الحسيات البسيطة اليومية (خبز، قهوة، لمسة) التي تتحول إلى رموز كونية. "خبز أمي" ليس مجرد طعام، بل هو رمز للقوت والعطاء غير المحدود، و"قهوة أمي" ترمز إلى الدفء والضيافة والبداية اليومية، و"لمسة أمي" تجسد الحنان والأمان والشفاء. استخدام حرف الجر "إلى" يعمق إحساس البعد والاشتياق.

2. المفارقة الزمنية والوجودية: "وتكبر فيَّ الطفولةُ / يوماً على صدر يومِ / وأعشَقُ عمرِي لأني / إذا مُتُّ، / أخجل من دمع أُمي!"

* هنا مفارقة عميقة: الطفولة لا تغيب بل "تكبر" داخل الشاعر، مما يشير إلى أن الماضي يظل حياً ونابضاً في الحاضر. حبه لعمره ليس لأنه ثمين بذاته، بل لأنه مرتبط بمشاعر أمه. "أخجل من دمع أمي" تعبير مؤثر يخلق مفارقة وجودية، حيث يتحول الموت من خوف شخصي إلى خجل من إحزان الأم. الخجل هنا دليل على عمق التقدير والحب.

3. التماهي مع الطبيعة والروحانيات: "خذيني، إذا عدتُ يوماً / شِعاراً لهدبك / وغطّي عظامي بعشب / تعمَّد من طهر كعبك"

* يطلب الشاعر أن يتحول إلى جزء متواضع من وجود أمه: "شِعاراً لهدبك" (أي زينة لعينك). الصورة هنا غاية في الرقة والرمزية. "عشب تعمد من طهر كعبك" صورة تجمع بين الأرضي والسماوي، فالعشب يمثل التواضع والطبيعة، لكنه "تعمد" (أي اكتسب القداسة) من طهر قدم الأم، مما يضفي على الأم صفة القداسة.

4. الارتباط المصيري والروحي: "وشُدّي وثاقي.. / بخصلة شعر.. / بخيطٍ يلوَّح في ذيل ثوبك.. / عساني أصيرُ إلهاً / إلهاً أصير. / إذا ما لمستُ قرارة قلبك!"

* يطلب الشاعر أن يُربط ليس بالسلاسل، بل بخصلة من شعر أمه أو خيط من ثوبها. هذه الصورة توحي بالارتباط الطوعي العميق. التحول إلى "إله" هنا ليس تكبراً، بل هو تعبير عن الاكتمال الروحي والخلاص الذي يتحقق فقط من خلال الاتصال بـ "قرارة قلب" الأم، التي تمثل المنبع الأصلي للحب والحياة.

5. التضحية والخدمة: "ضعيني، إذا ما رجعتُ / وقوداً بتنور نارك... / وحبل غسيل على سطح دارك"

* حتى في العودة، لا يطلب الشادر مكانة، بل يريد أن يكون "وقوداً" للنار التي تدفئ البيت وتبعث الحياة، أو "حبل غسيل" وهو شيء بسيط ومفيد في الحياة اليومية. هذه الصور تعبر عن روح التضحية والرغبة في أن يكون جزءاً نافعاً من عالم الأم/الوطن، مهما كانت صفته متواضعة.

6. الفقدان والضياع بدون الأم: "لأني فقدتُ الوقوف / بدون صلاة نهارك"

* يعترف الشاعر بالعجز والضياع في الغياب. "صلاة نهارك" ليست مجرد دعاء، بل هي النظام الروحي والأخلاقي الذي يمنح الحياة معنى واستقراراً. بدون هذا النظام، يفقد الإنسان قدرته على "الوقوف" أي المواجهة والاستمرار.

7. الحلقة المفرغة والعودة إلى الأصول: "هَرِمْتُ، فردّي نجوم الطفولة / حتى أُشارك / صغار العصافير / درب الرجوع ... / لعُشِّ انتظارِك!"

* الهرم هنا ليس بيولوجياً فقط، بل هو إحساس بالإنهاك والتعب بسبب الغربة والمنفى. يطلب الشاعر من أمه أن ترد له "نجوم الطفولة" أي الأمل والبراءة والبدايات. الصورة الختامية قوية: "صغار العصافير" ترمز إلى البراءة والغريزة الطبيعية التي تعرف طريق العودة إلى "العش" (الوطن، الأم، الجذور). "عش انتظارك" يجمع بين فكرة البيت (العش) وفعل الأم الرئيسي (الانتظار)، ليخلق صورة كاملة للعلاقة التي لا تنقطع.

ثالثاً: الخصائص الفنية والأسلوبية

1. اللغة: لغة شفافة، بسيطة في مفرداتها، عميقة في دلالاتها. تجمع بين اليومي والمعجز، المادي والروحي.

2. الإيقاع: إيقاع هادئ يشبه الترتيل أو الدعاء، يناسب طبيعة المناجاة. يستخدم الشاعر التكرار (أمي، أصير، رجعت) لخلق حالة من التوكيد والتماهي.

3. البنية: القصيدة مبنية على طلبين رئيسيين: "خذيني" و "ضعيني"، مما يعطيها طابع التوسل والالتماس. تنتهي بطلب العودة إلى حالة الطفولة، مما يشكل دائرة كاملة تبدأ وتنتهي بالأم.

4. الرمزية: الأم هي المركز الذي تدور حوله كل الرموز: هي الوطن، هي الأرض، هي القداسة، هي المصدر والمنتهى.

 

رابعاً: القراءة في سياقها

كتب درويش هذه القصيدة من منفاه، مما يضفي عليها بعداً تراجيدياً. الأم/الوطن هي الملاذ الذي فقده، وهو يحاول باستمرار استعادته عبر الذاكرة والشعر. القصيدة هي محاولة لتحويل الغياب إلى حضور دائم عبر القوة الخالقة للكلمة.

ختاما:

قصيدة "إلى أمي" لمحمود درويش هي نص تأسيسي في الشعر العربي المعاصر. إنها ليست فقط قصيدة حب لأم، بل هي فلسفة كاملة عن الوجود، تعيد تعريف معاني الانتماء، والقوة، والضعف، والخلاص. عبر بلاغة بصورها المبتكرة، وصدق عاطفتها، وعمق رموزها، تنجح القصيدة في أن تكون ترنيمة كونية تخلد العلاقة الأبدية بين الإنسان ومنبع وجوده.

طه دخل الله عبد الرحمن

البعنه == الجليل

11/11/2025


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

طال الليل أفكر فيك ....بقلم الشاعر محمود دبشه

غربة.. بقلم الشاعرة/وفاء غباشي

ثمل بالحب.. الشاعر/أحمد تجاني أديبايو

حان وقت سفري....بقلم الشاعر محمود دبشة

ياريحانة القلب....بقلم الشاعر نورالدين محمد نورالدين

على وطني....بقلم الشاعر محمد سعيد نصر الشرعبي

قالت تعاتبني.. بقلم الشاعر/محمد الشرعبي

بننسى اننا كنا اخوات...؟...بقلم الشاعر خيري حسن

ياولدي...بقلم الشاعر معز ماني

فارس الظلال...بقلم الشاعر محمد سليمان أبو سند