قراءة لقصيدة//مولاي اني على اعتاب اَخرتي//للشاعر انور فريز القريوتي....بقلم الباحث والناقد طه دخل الله عبد الرحمن ل
قراءة لقصيدة -
مولايّ إني على أعتاب آخرتي – للأستاذ الشاعر أنور فريز القريوتي.
القصيدة:
مولايّ إني على أعتاب آخرتي
والنفسُ ما عادت الأيام تغويها
لم يبقَ عندي سوى أوجاعِ ما ترَكَت
فيَّ السنينُ تحدَّت من يُداويها
وللزهور بداياتٌ بها ضحكَت
وللزهور نهاياتٌ ذوَت فيها
فلا تكِلني إلى أيٍّ يساومُني
على الأمَرِّ وما في النفس كافيها
هل للشّدائدِ بعد الضّيق مَفرَجةٌ
أمِ السّهامُ قسا في القلب راميها
*********************
القراءة:
مقدمة: القصيدة في سياقها
تأتي هذه القصيدة كصرخة وجودية تعبر عن لحظة وجدانية عميقة في حياة الشاعر، حيث يقف على عتبة مرحلة جديدة من عمره، مفارقًا زمن الشباب ومتطلعًا إلى الختام. القصيدة تتخذ شكل مناجاة مع الخالق، مما يضفي عليها طابعًا صوفيًا وجدانيًا، ويجعل من الحديث عن الذات حديثًا يتعالى إلى مستوى الكوني الإنساني.
حيث تنتمي إلى الشعر الوجداني الفلسفي الذي يجمع بين العاطفة الجياشة والتأمل العميق في معنى الوجود. الشاعر أنور فريز القريوتي يصوغ هنا لحظة مفصلية في الوعي الإنساني، حيث يصبح الإنسان شاهداً على ذاته وهو يقترب من منعطف مصيري. القصيدة ليست مجرد تعبير عن الحزن، بل هي تأمل في دورة الحياة والموت، وصياغة جمالية لأزمة الوجود.
التحليل البنيوي الموسع
1. البنية الإيقاعية المتعددة المستويات
· الإيقاع الخارجي: البحر الكامل (متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن ) يوحي بالثبات والاستقرار رغم اضطراب المضمون، كأنما الشاعر يبحث عن نقطة ارتكاز في بحر من التقلبات.
· الإيقاع الداخلي:
· تناوب المقاطع الطويلة والقصيرة يخلق نغماً يشبه تنفس إنسان متعب.
· تكرار حروف العلة الممدودة (آخرتي، تغويها، يُداويها) يعطي إحساساً بالامتداد والطول الزمني.
· السكون في نهايات الأبيات يشبه الوقفات التأملية.
2. البناء المعماري المتكامل
القصيدة مبنية على نموذج "القوس الدرامي":
· البداية: الإعلان عن الموقف الوجودي (البيت الأول)
· التصاعد: شرح الحالة النفسية والجسدية (البيت الثاني والثالث)
· الذروة: التعميم الكوني عبر رمز الزهور (البيت الرابع والخامس)
· الانحدار: الابتهال والاستغاثة (البيت السادس)
· الختام: الأسئلة المصيرية المفتوحة (البيت السابع)
كل بيت يعتمد على ما قبله ويؤسس لما بعده، مما يخلق نسيجاً متماسكاً.
التحليل البلاغي المتعمق
1. الاستعارة الوجودية العميقة
"أعتاب آخرتي" ليست مجرد صورة بلاغية عابرة، بل هي:
· استعارة مكانية للزمانية: تحويل البعد الزمني (الاقتراب من النهاية) إلى بعد مكاني (العتبة).
· استعارة حركية: العتبة تفترض الحركة والعبور، وليس الجمود.
· استعارة حدية: العتبة هي المنطقة الفاصلة بين داخل وخارج، بين مرحلتين.
2. التجسيد الدرامي للزمن
الزمن في القصيدة ليس إطاراً مجرداً، بل هو:
· فاعل عدائي: "الأيام تغويها" - الزمن كمغوٍ ومخادع
· خصم متحدٍ: "السنين تحدَّت" - الزمن كمنافس في معركة
· مسبب للألم: يترك الأوجاع كتركة ثقيلة
3. الرمزية المتعددة الأبعاد للزهور
الزهور ليست مجرد زهور، بل هي:
· مرآة الوجود البشري: كل زهرة تمثل إنساناً
· دورة الحياة المصغرة: البداية (البرعم)، الذروة (التفتح)، النهاية (الذبول)
· تضاد داخلي: نفس الكيان يحمل بذور فرحه (الضحك) وحزنه (الذبول)
· رمز القبول الكوني: الزهور لا تتمرد على ذبولها، بل تستسلم لقانون الطبيعة
التحليل الدلالي الشامل
1. المفارقة الوجودية المركزية
تتعالق في القصيدة مفارقات عديدة:
· مفارقة الوعي: كلما اقتربنا من النهاية، ازداد وضوح الرؤية
· مفارقة التراكم: كلما ازدادت الخبرات، ازدادت الأوجاع
· مفارقة الجمال والألم: الزهور الجميلة تذبل، والحياة الجميلة تنتهي
2. السلم الدلالي المتصاعد
تتطور الدلالات من:
· الذاتي الى الكوني
· الحسي الى المجرد
· الشخصي الى العام
· الأرضي الى السماوي
3. الحواريات المتعددة
القصيدة تحوي حوارات غير مباشرة:
· حوار مع الذات: مراجعة النفس وتقييم التجربة
· حوار مع الزمن: محاسبة السنين على ما فعلت
· حوار مع الخالق: استجداء الرحمة والعون
· حوار مع القارئ: عبر الأسئلة الوجودية المشتركة
التحليل النفسي العميق
1. مراحل الحزن الخمسة (كوبلر روس، صاحبة نظرية مراحل الحزن الخمس والمعروفة أيضًا باسم نموذج كوبلر روس) في القصيدة
· الإنكار: محاولة مقاومة فكرة النهاية
· الغضب: من السنين وما فعلت
· المساومة: "فلا تكِلني إلى أيٍّ يساومني"
· الاكتئاب: وصف الأوجاع والمعاناة
· القبول: صورة الزهور التي تذبل بهدوء
2. أزمة منتصف العمر الوجودية
القصيدة تعبر عن:
· مراجعة لإنجازات الماضي
· تقييم للخسائر والأوجاع
· قلق من المستقبل
· بحث عن معنى في ما تبقى
المزايا الفنية الاستثنائية
1. التكثيف الشديد مع الاتساع الدلالي
· الكثافة اللفظية: كل كلمة تحمل عدة طبقات من المعنى
· الاقتصاد التعبيري: تحقيق أقصى معنى بأقل ألفاظ
· الإيحاء بدل التصريح: الإشارة إلى المشاعر بدل وصفها مباشرة
2. الانزياحات المبتكرة
· انزياح الزمن: تحويل الزمن من إطار إلى فاعل
· انزياح المكان: جعل الزمان مكاناً يمكن الوقوف على عتبته
· انزياح الكينونة: تحويل المشاعر المجردة إلى كيانات مادية
3. الانسجام بين الشكل والمضمون
· الإيقاع الحزين يناسب المضمون الحزين
· اللغة البسيطة العميقة تناسب الحالة الوجودية
· البناء المحكم يعكس محاولة تنظيم الفوضى الداخلية
4. العمق الفلسفي مع الحسية الشعرية
نجح الشاعر في:
· تحويل الأسئلة الفلسفية إلى صور شعرية
· تقديم التأمل الوجودي بلغة وجدانية
· الجمع بين العقلانية والعاطفية
5. الرمزية المتعددة الطبقات
كل رمز في القصيدة يحمل:
· مستوى شخصياً (تجربة الشاعر)
· مستوى إنسانياً (تجربة كل إنسان)
· مستوى كونياً (قانون الوجود العام)
6. البناء الدرامي المشابه للمسرحية الشعرية
القصيدة تمتلك:
· الشخصيات: الذات، الزمن، الخالق، الزهور
· الصراع: الإنسان ضد الزمن، الذات ضد الألم
· الحبكة: رحلة من الوعي بالمرض إلى التساؤل عن الشفاء
· الحل المفتوح: الأسئلة التي تبقى بلا إجابة
7. التوازن العجيب بين المتناقضات
· بين الذاتي والكوني
· بين الحزن والجمال
· بين اليأس والأمل (المستتر في المناجاة)
· بين القوة (في التحدي) والضعف (في الابتهال)
8. الانزياح من الشعر إلى الصلاة
المناجاة تحول القصيدة من:
· خطاب أدبي إلى خطاب روحي
· تعبير عن الذات إلى اتصال بالمطلق
· شكوى إلى استغاثة
9. اللغة المتوازنة بين التقليد والابتكار
· تستخدم لغة عربية فصيحة ولكنها معاصرة
· تقدم صوراً جديدة بألفاظ تقليدية
· تجمع بين بساطة اللفظ وعمق المعنى
10. القابلية للتأويل المتعدد
القصيدة تفتح أبواباً تأويلية عديدة:
· تأويل وجودي (أزمة الوجود)
· تأويل ديني (المناجاة والابتهال)
· تأويل نفسي (مراحل الحزن)
· تأويل فلسفي (معنى الحياة والموت)
السياق والانزياح عنه
1. الانزياح عن الشعر العربي التقليدي
· تحويل الغرض من المدح أو الهجاء إلى التأمل الوجودي
· تحويل الصورة البلاغية المباشرة إلى رمزية متعددة المستويات
· تحويل الغرض من الإطراء إلى المصارحة
2. الانزياح عن الشعر الصوفي
· ليس اتحاداً مع الذات الإلهية بل حواراً معها
· ليس ذكراً وإنما مناجاة
· ليس فرحاً بالوصول بل استغاثة من الضياع
الأثر النفسي والفني
1. على مستوى المتلقي
· يخلق تعاطفاً عبر المصارحة الصادقة
· يثير الأسئلة الوجودية الكبرى
· يوفر مساحة للتأمل الذاتي
2. على مستوى الشعر العربي
· يمثل نموذجاً للشعر الوجودي العربي
· يثبت إمكانية الجمع بين الأصالة والمعاصرة
· يقدم لغة شعرية راقية لكنها قريبة من القلب
الخاتمة:
قصيدة الوجود الهش الجميل
هذه القصيدة ليست مجرد كلمات منظومة، بل هي:
1. شهادة وجودية: توثيق فني لحظة الوعي بالزمن والموت
2. مقاومة جمالية: تحويل الألم إلى جمال عبر اللغة الشعرية
3. صلاة فنية: حيث يكون الشعر وسيلة اتصال بالمقدس
4. مرآة إنسانية: تعكس هشاشتنا وجمالنا في آن واحد
5. سؤال مفتوح: يظل يتردد في ذهن القارئ بعد انتهاء القراءة
العبقرية الحقيقية لهذه القصيدة تكمن في قدرتها على تحويل التجربة الشخصية الحزينة إلى فن جميل، والمعاناة الفردية إلى سؤال إنساني كوني. إنها تثبت أن الشعر الحقيقي ليس تزييناً للواقع، بل كشفاً عن أعماقه، وليس هروباً من الألم، بل مواجهة له عبر الجمال.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
7/12/2025

تعليقات
إرسال تعليق