علمهم مالم يتعلموه....بقلم الشاعر سالم حسن غنيم
علّمهم ما لم يتعلّموه
كانوا يجتمعون في مقهى صغير على طرف المدينة،
مقهى يرتاده الأدباء الهاربون من ضجيج العالم،
والباحثون عن شيءٍ لا يشبه الواقع كثيرًا.
في إحدى الزوايا جلس شاب اسمه سليم،
يحمل بين يديه كتابًا مهترئ الحواف لروائي لا يعرفه جيّدًا،
لكن اسمه كان يتردّد على لسان كلّ من يحترم الأدب:
"دوستويفسكي".
اقترب منه شيخ وقور، يحمل وجهًا هادئًا وابتسامة خفيفة.
جلس قربه دون أن ينتظر دعوة، وقال:
– هل تعرف يا ولدي أن هذا الرجل علّم العلماء ما لم يتعلموه في مختبراتهم؟
رفع سليم رأسه بدهشة، فتابع الشيخ:
– آينشتاين نفسه قال: الرجل الذي تعلّمتُ منه أكثر من كل العلماء…
هو دوستويفسكي.
– وفرويد، أبو علم النفس الحديث، قال: كل شيء اكتشفته في علم النفس…
وجدت هذا الرجل قد كتبه قبل أن أولد.
أغلق سليم الكتاب ببطء وقال:
– كيف لرجل واحد أن يسبق العلم كله؟
ضحك الشيخ، ثم أشار إلى قلبه:
– لأن العلم يا بني يبدأ من هنا…
من الجرح.
ودوستويفسكي عاش جراحًا لا يمكن لبشر احتمالها:
صرعٌ يطارد نومه،
أولاد يموتون بين يديه،
فقر يحاصره حتى آخر رغيف،
سجن… إعدام مؤجّل…
ومجتمعٌ لفظه كما يُلفظ الغريب.
سكت الشيخ لحظة، ثم أكمل:
– لكن بعض الناس…
لا تقتلهم المآسي،
بل تفتح لهم بابًا إلى أعماق الروح.
منبوذ من الكتّاب…
وملعون في القمار…
ومع ذلك كتب عن النفس البشرية ما جعله أستاذًا للعلماء أنفسهم.
تأمّل سليم كلمات الشيخ وبدت في عينيه دهشة جديدة:
– إذن…
الألم قد يصنع عظمة؟
أجاب الشيخ وهو ينهض ببطء:
– الألم لا يصنع العظمة وحده…
لكن العظماء وحدهم هم الذين يحوّلون جراحهم إلى كتب،
ويحوّلون دموعهم إلى نظريات،
ويجعلون العلماء يقفون احترامًا لهم…
رغم أنهم عاشوا منبوذين.
ثم رحل الشيخ، وبقي سليم ينظر إلى الكتاب بين يديه…
كأنه يحمل تاريخ رجلٍ خسر كل شيء،
لكنه ربح شيئًا لا يملكه أحد:
قدرة نادرة على رؤية النفس البشرية كما لم يرها أحد.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء في حياة سليم…
فقد فهم أن الذين يضيئون العالم…
غالبًا كانوا يسيرون في عتمة وحدهم.

تعليقات
إرسال تعليق